آخر الاضافات
 ضياء عاشوري  – ٥ – الإثبات في القانون الجنائي وتراث عاشوراء

بسم الله الرحمن الرحيم

إن هناك جملة أمور تسترعي الإلتفات في البحث في تراث عاشوراء قد غفل عنها كثير من الباحثين، بل بعض أعلام أرباب الحديث والسيرة:

 

1-قد تقرر في الفقه الإسلامي أن اللوث (التهمة) وإن لم يكن حجة لإثبات الجناية، إلا أنه رأس الخيط والقصاصة يتحقق بها إمكانية الإثبات للجناية وموضوع للقسم وحبس المتهم حتى تثبت برائته، وقد قرر في باب اللوث أن الموجب والمثبت للوث هو كل قرينة ظنية وإن كانت غير معتبرة في نفسها وإن لم تكن مثبتة بمفردها للجناية، فكل الظنون المرسلة ذات المنشأ الاعتيادي يعتنى بها في باب اثبات الجنايات من باب اللوث (التهمة).

 

2-فمع تقرر قاعدة اللوث في باب الاثبات الجنائي وهي قاعدة أصيلة متفق على أصلها بين المذاهب الاسلامية، بل بين كافة الأعراف البشرية، كيف يغفل عنها هؤلاء الباحثون في بحث أحداث الطفوف وكربلا وما جرى على العترة الطاهرة من السبي في البلدان.

 

3-شدة إجرام بني أمية ولايخفى أنهم ويزيد الفجور لم يبقوا حرمة من حرمات الدين إلا وانتهكوها فاستباحوا المدينة وتجاوزوا على الأعراض، أشد من عصابات داعش حتى أحصي النساء الحبالى جراء ذلك برقم يندى له جبين المسلمين الى يوم القيامة إن كان ثمة غيرة وشرف ينبض، كما رجموا الكعبة المشرفة بالمنجنيق وأحرقوها، وهكذا يروم نهج خلفهم السفياني، فأي ريبة باقية وأي لوث لا يتعلق بهم في كل جناية.

 

4-إن هناك قاعدة أخرى في الملف الجنائي لبني أمية وآل زياد وآل مروان وهو العلم الإجمالي الممتزج بالتفصيلي في العديد من الزوايا والموارد، أي أن وقوع ارتكابهم للفظايع يستلزم حصول علم إجمالي بإرتاكبهم لتفاصيل كثيرة جدا رواها -الرواة أم لم يروها- صاحبت وقوع ما وقع لإمتناع الإنفكاك.

 

5-كل ذلك يقرب صناعيا لزوم متابعة كل ما في كتب المقاتل، هذا فضلا عن واقع الحال أنه لو  تكتب موسوعة في جرد كتب المقاتل بدأ من الصدر الأول قرنا بعد قرن لتبين تواتر روايات أحداث الطف جيلا بعد جيل وعدم خلو، مع الالتفات الى توفر الدواعي لكتابة المقتل في كل أدوار المسلمين جيلا بعد كل جيل لوجود الباعث على ذلك، من تكرر ذكرى عاشوراء في الأذهان كل عام لعموم تفشي محبة أهل البيت ع في قلوب المسلمين المستضعفين عدا الناصبة والاموية فضلا عن فرق الصوفية وفرق الشيعية، وارتباط سلسلة الثورات بها بعدها الى عصرنا من غالب الفرق الشيعية بل وبقية العديد من الفرق الاسلامية.

 

6-مما يعضد مفاد القاعدتان قاعدة ثالثة قرآنية وهي حرمة المحاماة والخصومة عن المعتدي والخائن للعهود أي حرمة تبرئته كما في قوله تعالى(إِنَّا أَنْزَلْنا إِلَيْكَ الْكِتابَ بِالْحَقِّ لِتَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ بِما أَراكَ اللَّهُ وَ لا تَكُنْ لِلْخائِنينَ خَصيما) وقوله تعالى في عقب الآية السابقة ( وَ لا تُجادِلْ عَنِ الَّذينَ يَخْتانُونَ أَنْفُسَهُمْ إِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ مَنْ كانَ خَوَّاناً أَثيما … ها أَنْتُمْ هؤُلاءِ جادَلْتُمْ عَنْهُمْ فِي الْحَياةِ الدُّنْيا- فَمَنْ يُجادِلُ اللَّهَ عَنْهُمْ يَوْمَ الْقِيامَةِ أَمْ مَنْ يَكُونُ عَلَيْهِمْ وَكِيلا)، حيث أن مفادها حرمة الدفاع عن الخائن والخوان الأثيم، وهي تنطبق على من علم عدوانه اجمالا وتعديه فضلا عن عما علم منه تفصيلا.

 

7- إنه من الجلی الواضح أن يد التعتيم والإخفاء قد طمست كثير من حقايق الظلامات التي حدثت في الطف وفي مسيرة السبايا وما لابس ذلك من أحداث، كيف لا ودولة العصابات والإجرام الأموية لم تتوان عن ارتكاب أي انتهاك للحرمات، وهذا نهج يقوم به كل الطغاة والظالمين في كل عصر وفي عصرنا الحاضر، وقد كتب الكثير حول قيام الأمويين بحذف حقائق تاريخ الأحداث ومحو المصادر، فضلا عن نشر الأكاذيب والتزوير عبر القصاصة، فمع هذا الحال كيف يتمكن من الإحاطة بكل ما جرى من جنايات في الطف وما جرى على العترة من ظلامات وانتهاك للحرمات.

 

8-وفي عموم الأحداث والوقائع يتعذر رصد كل المجريات وزوايا الأمور فكيف يتوقع احاطة بعض ما نقل بكل ما رصد فلا عن كل ما وقع.

 

9-يضاف الى كل ما مر كثرة ووفرة المصادر الواصلة من تأليفات مختلفة سواء في المقتل أو التاريخ أو السيرة أو الحديث أو الفضائل أو التفسير الى غير ذلك من التصنيفات في العلوم المتنوعة لكنها مشتتة بين مخطوطات أو طبعات حجرية بل الطبعات حديثة غير مجموعة في موسوعة الكترونية بمشغل بحث يمكن الفحص عنها، مع أن ما يرتبط كثيرا ما يكون بابا أو فصلا في الكتاب أو رواية فيه.

ومع ملاحظة النقاط التسعة السابقة فضلا عما أغفلنا ذكره من نقاط وأمور مرتبطة بتراث عاشوراء، يتجلى أن المنهج في البحث في تراث عاشوراء والطف بحسب قواعد الاثبات الجنائي الشرعي وغيره، هو كون الأصل الاعتناء بكل قصاصة ومفردة تصلح أن تتركب وتتراكم منها حلقات من القرائن والشواهد تنكشف بها جانب من حقائق أحداث الطف، وأن الإعراض عن أهمية أي مفردة ودراستها منفردة بمنظار تقطيعي تفكيكي تضييع لموازين البحث الصناعي الفقهي فضلا عن التاريخي والدرائي للسيرة.

 

مكتب سماحة المرجع الديني الشيخ محمد السند دام ظله

▪️محرم الحرام ١٤٣٩هـ

شاركـنـا !
فيسبوك
maram host