آخر الاضافات
المصباح العاشوری (5) /المصباح الخامس

المصباح الخامس

المصباح العاشوری (5)

مدرسة مسلم بن عقيل

قد احتار الكثير في فهم أبعاد شخصية مسلم بن عقيل  وفي سر اختيار الحسين ع له على الكوفة مقدمة لنهضته الإلهية .
وهي مقطع بالغ الخطورة وفي خطا وسيرة مسلم سنن إلهية شامخة ارادها الحسين ع ان تتجذر.
ولنرتسم تلك السنن في سيرة
: السنة الاولى : تحمل المسؤلية العامة بمفرده ، وهذه همة عالية تناطح قمم جبال الحديد ، وهو انطلاق من مبدأ وصية وقاعدة نبوية: كلكم راع وكلكم مسؤول عن رعيته:
1- فلم يخصص ص المسؤولية  بفئة دون فئة ولا بشخص دون شخص بل ولا بالمجموع بشرط الاجتماع كي يتوقف لزوم تحمل المسؤولية على قيام الاكثر او الكثير بها او على قيام فئة بها ، بل لا يتوقف لزوم تحمل المسؤولية من قبل الفرد على تحملها من قبل الآخرين ولا على تحملها من قبل احد أيا كان .

2- وهذا سر وقوع النصر الإلهي ،فإن جدلية تحمل المسؤولية العامة مثار لغط فكري كبير وكثير
فربما يقال انه لابد من وجود ثلة مخلصة كي تتوفر القدرة على القيام بالمسؤولية او يقال لابد من همة الجميع على تحملها او يقال

3- بينما نلاحظ ما يستعرضه لنا القرآن الكريم وروايات العترة من قصة بني إسرائيل لما أرادوا إجلاء السلطة الجبارة لجالوت عن بيت المقدس، و همة داود ع وقتله جالوت – مع قدرته الفتاكة- حيث كان داود في الغنم راعياً و معه مقلاع و لما دخل العسكر لبني إسرائيل سمعهم يتعظّمون امر جالوت فقال لهم ما تعظمون من أمره فو اللَّه لئن عاينته لأقتلنه فتحدّثوا بخبره ، فَلَمَّا فَصَلَ طالُوتُ بِالْجُنُودِ قالَ‏ لهم نبيهم يا بني إسرائيل‏ إِنَّ اللَّهَ مُبْتَلِيكُمْ بِنَهَرٍ في هذه المفازة فَمَنْ شَرِبَ مِنْهُ فَلَيْسَ‏ من حزب اللَّه و من لم يشرب فهو من حزب اللَّه‏ إِلَّا مَنِ اغْتَرَفَ غُرْفَةً بِيَدِهِ‏ فلما وردوا النهر اطلق اللَّه لهم أن يغترف كل واحد منهم غرفة فَشَرِبُوا مِنْهُ إِلَّا قَلِيلًا مِنْهُمْ‏ فالذين شربوا منه كانوا ستين الفاً و هذا امتحان امتحنوا به كما قال اللَّه عز و جل.
و عن الصادق عليه السلام انه قال القليل الذين لم يشربوا و لم يغترفوا ثلاث‏ مائة و ثلاثة عشر رجلًا فلما جاوزوا النهر و نظروا الى جنود جالوت قال الذين شربوا منه‏ لا طاقَةَ لَنَا الْيَوْمَ بِجالُوتَ وَ جُنُودِهِ‏ و قال الذين لم يشربوا رَبَّنا أَفْرِغْ عَلَيْنا صَبْراً وَ ثَبِّتْ أَقْدامَنا وَ انْصُرْنا عَلَى الْقَوْمِ الْكافِرِين‏
قال فنادى داود ثلاث صخرات في طريقه فقالت يا داود خذنا فأخذها في مخلاته و كان شديد البطش قوياً في بدنه شجاعاً و التقي الناس قال داود أروني جالوت فجاء داود فوقف بحذاءه و كان جالوت على الفيل و على رأسه التاج و في جبهته ياقوتة يلمع نورها و جنوده بين يديه فأخذ داود من تلك الأحجار حجرا و رمى جالوت بحجر فصكّ الياقوتة في جبهته و وصلت إلى دماغه و وقع على الأرض ميتاً و هو قوله تعالى‏ فَهَزَمُوهُمْ بِإِذْنِ اللَّهِ وَ قَتَلَ داوُدُ جالُوتَ وَ آتاهُ اللَّهُ الْمُلْكَ وَ الْحِكْمَةَ.
وفي هذه الحادثة عبرة فمن ناحية تخاذل الأكثرية عن تحمل المسؤولية لم يسقط تكليف القليل بالقيام بها رغم صعوبتها و الرعب المحفوف بها ، وكذلك داود رغم كونه فقيرا راعيا ليس له سلاح إلا المقلاع وهي آلة خفيفة لصيد الطيور الصغيرة ، إلا أن ذلك لم يوجب إستصغاره لقدرته و لا لتهوينه نفسه إمكانية ادائه لدور في هذا المعترك الخطير ، بل لم يزلزله الجو النفسي المنتشر المستولى على روحية الجميع من جبروت قوة جيش جالوت ، وقد قدر الله تعالى أن يكتب النصر على يد داود لعلو همته في تحمل المسؤولية وعدم تزلزله من تخاذل الأكثرية و إنتكاصهم ، ليؤكد البارى تعالى أن النصر الإلهي مرهون بالإستقامة والثبات ولو من القلة بل ولو من فرد واحد.

4- وكما هو الحال في واقعة أحد حيث فرّ جمهور المسلمين والصحابة عن النبي ص إلا أن ذلك لم يتخذه أميرالمؤمنين ع مبررا وذريعة للتخلي عن مسؤولية حماية النبي ص حتي نزل جبرئيل لا فتي إلا على لا سيف إلا ذو الفقار ، وتكرر ذلك في واقعة حنين و واقعة الخندق و الأحزاب وغيرها.

5- والأمر الملحوظ في مسلم بن عقيل هذا الأمر فإنه لما خذله الناس وتركوه و أسلموه وحيدا قبال العدو  لم يفت ذلك في عضده ولم يزلزله وكان يدبر الأمور وكأنه قائد ظافر فاتح كما ورد أنه لما بلغ بن زياد استنجاد ابن الاشعث ارسل اليه يقول : بعثناك الى رجل واحد لتأتينا به ، فثلم في اصحابك ثلمة عظيمة ، فكيف إذا ارسلناك الى غيره ؟ فأرسل ابن الاشعث: أيها الأمير أتظن أنك بعثتني إلى بقال من بقالي الكوفة أو إلى جرمقاني من جرامقة البصرة ، أولم تعلم – أيها الأمير – أنك بعثتني الى أسد ضرغام ، وسيف حسام ، في كف بطل همام ، من آل خير الأنام ).
6-وهذا الموقف من مسلم بن عقيل زرع و أسس سننا في أهل الكوفة و في أجيال المؤمنين أن تحمل الفرد للمسؤولية لا يناط بمشاركة و بأداء الآخرين ووفائهم . وهذا أعظم درس شيده مسلم بن عقيل وهو مفتاح النصر والظفر للأمة وهو أن تحمل الفرد وكل فرد بمفرده للمسؤولية في الشأن العام ، وفي الحقيقة أن الصورة التي رسمها حادثة مسلم بن عقيل من إنكفاء الناس عنه بعد إقبالهم عليه في الإبتداء يرسخ هذا الدرس الإلهي المستمد من موقف مسلم من الصلابة في تحمل المسؤولية رغم كل هذا الخذلان ، وأن المسؤولية في قول النبي ص (كلكم راع وكلكم مسؤول عن راعيته) لا تتعطل بخذلان الجميع و لا تخليهم عن القيام بها و لا عن تقاعسهم ونكوصهم عنها . وهذا المعني يتجدد جلاءا وضوحا بذكري مسلم بن عقيل .
السنة الثانية: الإدارة المتميزة والتدبير المنقطع النظير حيث لم يشهد من الثورة التي قادها مدة بقاؤه في الكوفة أي خرق مدني و لا تلف مال ولا تجاوز على عرض ، طيلة تلك المدة مع أن الثورة الشعبية المنفلتة في الغالب من ناحية ، ومن ناحية أخرى العدو كبني أمية عصابة إجرامية دموية لا يحجزها شيئ عن إنتهاك الحرمات و إلصاقها بمعسكر مسلم بن عقيل ، ومع هذين العاملين الخطيرين الموجبين في الغالب  لإنفلات الأمور و إختلاط الأوراق ، إلا أن التاريخ و الأمويين لم يسجلوا خرقا يلصقوه بمسلم بن عقيل و لا بنهضة الحسين ع ، عندما خاطبهم : و يحكم أتطلبوني‏ بقتيل منكم قتلته أو مال لكم استهلكته‏).
وفي الحقيقة إن مصير نهضة الحسين ع وطابع حركته الإصلاحية كان مرهونا بمارسات والسلوك التدبيري الذي يقوم به مسلم بن عقيل في حركته بالكوفة ، فكانت خطوات مسلم بن عقيل هي الواجهة لنهضة الحسين ع .
السنة الثالثة : المبدأية في المواقف ، والحادثة معروفة من تمكنه من عبيدالله بن زياد وقوله المشهور (إن الإيمان قيد الفتك ولا يفتك مؤمن) ، وهذه السنة لدى مسلم بن عقيل معطوفة في الغاية على السنة الثانية المتقدمة ، مضافا الى أن مسلم بن عقيل سفيرا ونائبا خاصا للحسين ع وكان تواصله مع إمامه الحسين ع عبر النور كما هو الحال في النواب الخاصين للائمة ع فضلا عن كونه من الدائرة الثانية الإصطفائية الذين هم أعلى درجة إتصالا بالإمام من النواب الخاصين ، وسيد الشهداء كأبيه أميرالمؤمنين ع وأخيه الحسن سنح لهم تدبيرهم الحكيم الإلهي اللدني النصر ومن دون الإستعانة بالناس والموالين ولا المعجزة ولا الملائكة ، إلا أنه تعالى لم يأذن لهم بذلك لعدم أهلية الناس بعد ، إذ سنة الله تعالى في إمتحان البشر: إن تنصروا الله ينصركم) وإلا لكان نصرا إلجائيا خلاف حكمة الإمتحان .

شاركـنـا !
فيسبوك
maram host