آخر الاضافات
البكاء والشعائر الحسينية درجات ومقامات متصاعدة/المصباح السادس

المصباح السادس

المصباح العاشوري (6)

البكاء والشعائر الحسينية
درجات ومقامات متصاعدة

القسم الأول:
يدور حول البكاء و مطلق الشعائر على مصاب الحسين ع ومحن أهل البيت ع لغط كبير بين كون بعض أنماطها إفراطا أو تكلفا ممجوجا و في الطرف الآخر ينظر إليها أنها متوسطة ودون ما يستحق المصاب والمصائب التي جرت عليهم ، وتوضيح الحال في نقاط :

1.شأن البكاء والشعائر كشأن بقية العبادات هو على درجات و مقامات و منازل كالصلاة والصوم والحج و الجهاد والخشوع والسجود والركوع والبكاء من خشية الله والدعاء والقنوت وغيرها ، ذات درجات شدة وضعفا .
فمن الناس من يتحمل درجات تثقل على الآخرين و يكون الحد الذي يأتيه الآخرون تقصيرا بالنسبة إليه ، فصلاة أميرالمؤمنين ع ألف ركعة كل ليلة إستحبابه العبادي عام للكل وقد ورد النص به أنه راجح على مدار دورة اليوم ، إلا أن النادر من البشر يطيقه فضلا عن الدوام عليه ، وكذلك إستحباب الطواف حول الكعبة ثلاثمائة إسبوع وقد أتي به النبي ص و الوصي ع بعد فتح مكة ، ولم نسمع بأن أحد يطيق ذلك ، وكذلك المشي على الأقدام حافيا الى الحج قد أتى به الإمام المجتبى ع عشرين مرة مع أخيه سيد الشهداء ع حتى تورمت رجلاه ، وكذلك صوم كل الدهر، وقد قام النبي ع على أطراف أصابعه في الصلاة عشر سنين  الى غير ذلك من العبادات الشاقة بل التي لا يحتملها غالب البشر .

2. كذلك ورد في عبادة الملائكة أن منهم راكعين لا ينتصبون و يفترون ومنهم ساجدين لا يرفعون رؤوسهم ولا يفترون و قانتون لا يكلّون كما ورد في النهج : ثُمَّ فَتَقَ مَا بَيْنَ السَّمَوَاتِ الْعُلَا فَمَلَأَهُنَّ أَطْوَاراً مِنْ مَلَائِكَتِهِ مِنْهُمْ سُجُودٌ لَا يَرْكَعُونَ وَ رُكُوعٌ لَا يَنْتَصِبُونَ وَ صَافُّونَ‏- لَا يَتَزَايَلُون- وَ مُسَبِّحُونَ‏ لا يَسْأَمُونَ‏ لَا يَغْشَاهُمْ نَوْمُ الْعُيُونِ وَ لَا سَهْوُ الْعُقُولِ وَ لَا فَتْرَةُ الْأَبْدَانِ وَ لَا غَفْلَةُ النِّسْيَانِ ، و في الصحيفة السجادية: حَمَلَةُ عَرْشِكَ الَّذِينَ‏ لا يَفْتُرُونَ‏ مِنْ تَسْبِيحِكَ، وَ لا يَسْأَمُونَ‏ مِنْ تَقْدِيسِكَ، وَ لا يَسْتَحْسِرُونَ‏ مِنْ عِبَادَتِكَ، وَ لَا يُؤْثِرُونَ التَّقْصِيرَ عَلَى الْجِدِّ فِي أَمْرِكَ، وَ لَا يَغْفُلُونَ عَنِ الْوَلَهِ إِلَيْك‏  ، ….
َ الَّذِينَ لَا تَدْخُلُهُمْ سَأْمَةٌ مِنْ دُءُوبٍ، وَ لَا إِعْيَاءٌ مِنْ لُغُوبٍ وَ لَا فُتُورٌ، وَ لَا تَشْغَلُهُمْ عَنْ تَسْبِيحِكَ الشَّهَوَاتُ، وَ لَا يَقْطَعُهُمْ عَنْ تَعْظِيمِكَ سَهْوُ الْغَفَلَاتِ.  الْخُشَّعُ الْأَبْصَارِ فَلَا يَرُومُونَ النَّظَرَ إِلَيْكَ، النَّوَاكِسُ الْأَذْقَانِ، الَّذِينَ قَدْ طَالَتْ رَغْبَتُهُمْ فِيمَا لَدَيْكَ، الْمُسْتَهْتَرُونَ بِذِكْرِ آلَائِكَ، وَ الْمُتَوَاضِعُونَ دُونَ عَظَمَتِكَ وَ جَلَالِ كِبْرِيَائِكَ  وَ الَّذِينَ يَقُولُونَ إِذَا نَظَرُوا إِلَى جَهَنَّمَ تَزْفِرُ عَلَى أَهْلِ مَعْصِيَتِكَ: سُبْحَانَكَ مَا عَبَدْنَاكَ حَقَّ عِبَادَتِك‏ ، وفي نص آخر في وصف أهل مدينة جابلسا وجابرقا- ولهم شبه بالبشر :ٍ لَهُمْ تَقْدِيسٌ وَ اجْتِهَادٌ شَدِيدٌ لَوْ رَأَيْتُمُوهُمْ لَاحْتَقَرْتُمْ عَمَلَكُمْ يُصَلِّي الرَّجُلُ مِنْهُمْ شَهْراً لَا يَرْفَعُ رَأْسَهُ مِنْ سُجُودِهِ طَعَامُهُمُ التَّسْبِيحُ وَ لِبَاسُهُمُ الْوَرَقُ‏ وَ وُجُوهُهُمْ مُشْرِقَةٌ بِالنُّورِ إِذَا رَأَوْا مِنَّا وَاحِداً لَحَسُوهُ وَ اجْتَمَعُوا إِلَيْهِ وَ أَخَذُوا مِنْ أَثَرِهِ‏ إِلَى الْأَرْضِ يَتَبَرَّكُونَ بِهِ لَهُمْ دَوِيٌّ إِذَا صَلُّوا أَشَدَّ مِنْ دَوِيِّ الرِّيحِ الْعَاصِفِ فِيهِمْ جَمَاعَةٌ لَمْ يَضَعُوا السِّلَاحَ مُنْذُ كَانُوا يَنْتَظِرُونَ قَائِمَنَا يَدْعُونَ أَنْ يُرِيَهُمْ إِيَّاهُ وَ عُمُرُ أَحَدِهِمْ أَلْفُ سَنَةٍ إِذَا رَأَيْتَهُمْ رَأَيْتَ الْخُشُوعَ وَ الِاسْتِكَانَةَ وَ طَلَبَ مَا يُقَرِّبُهُمْ إِلَيْهِ إِذَا حُبِسْنَا ظَنُّوا أَنَّ ذَلِكَ مِنْ سَخَطٍ يَتَعَاهَدُونَ سَاعَةً الَّتِي نَأْتِيهِمْ فِيهَا لا يَسْأَمُونَ‏ وَ لا يَفْتُرُونَ‏ .
فالسأم والفتور في العبادة وشدتها إما لأجل عدم التحمل و لعدم الطاقة عليها وعدم القابلية أو لأجل اللهو والسهو أو لغير ذلك من الأسباب .

3.لايخفى أن السأم والفتور لا يوجب تغير العبادة عن عباديتها ولا تبدلها عن كمالها ، ولا يوجب حكم العقل بقبحها أو فسادها تحت ذريعة سئم أو فتور النفس وكللها ، لأن الفعل لا يتغير عما هو عليه في الواقع ، وإن قصر الفاعل عن المجيئ به أو كان المناسب للفاعل درجة ما من الفعل بحسب قابليته وطاقته ، ولكن هذا ليس حكما على الفعل في نفسه بل بلحاظ الفاعل . فلابد من التفريق بين الحالين و اللحاظين ، ولا يصح تعميم الحكم من حال الى الآخر .
قد ذاقوا حلاوة معرفته، و شربوا بالكأس الرويّة من محبته – لم يختلفوا في ربهم باستحواذ الشيطان عليهم‏
وقيل في قوله تعالى :تُسَبِّحُ لَهُ السَّماواتُ السَّبْعُ وَ الْأَرْضُ وَ مَنْ فِيهِنَ‏ فجعله لمن يعقل، ثم عطف على من لا يعقل فقال: وَ إِنْ مِنْ شَيْ‏ءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ وَ لكِنْ لا تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ‏، ثم قال: إِنَّهُ كانَ حَلِيماً غَفُوراً، أخبر سبحانه أن كل شي‏ء يسبّح لربّه بلسان الحال و لسان المقال، و لكن لسان المقال منه مستور عنكم لم يلزمكم اللّه بمعرفته، و قوله: إِنَّهُ كانَ حَلِيماً غَفُوراً، يعني أن سائر المخلوقات غير المكلّفين يسبّحون و لا يسأمون‏، و أنتم مع وجوب التكليف عليكم تنسون و تسأمون، و هو مع جهلكم و سهوكم، حليم عنكم و غفور لكم.

4.قد ورد في ملائكة الحير عند سيد الشهداء ع أوصاف لإقامتهم العزاء والمأتم و البكاءالدائب الدائم لا يفترون ولا يسأمون مثل : الذينَ يَضِجُّونَ عَلَيْهِ وَ يَبْكُونَ وَ يَصْرُخُونَ‏ لا يَفْتُرُونَ‏ وَ لا يَسْأَمُونَ‏ وَ هُمْ مِنْ خَشْيَتِكَ مُشْفِقُونَ وَ مِنْ عَذَابِكَ حَذِرُونَ لَا تُغَيِّرُهُمُ الْأَيَّامُ وَ لَا يَنْهَزِمُونَ مِنْ نَوَاحِي الْحَيْرِ يَشْهَقُونَ وَ سَيِّدُهُمْ يَرَى مَا يَصْنَعُونَ وَ مَا فِيهِ يَتَقَلَّبُونَ قَدِ انْهَمَلَتْ مِنْهُمُ الْعُيُونُ فَلَا تَرْقَأُ وَ اشْتَدَّ مِنْهُمُ الْحَزَنُ بِحُرْقَةٍ لَا تُطْفَى‏ .
فكما أن في الملائكة طبقات لا تفتر عبادتهم لله تعالى تسبيحا أو تهليلا أو تكبيرا أو تحميدا أو ركوعا أو سجودا أو قنوتا ، فكذلك قررت السنة الإلهية وأمر الله أن تنشغل قبائل من الملائكة المسومين والمردفين والمنزلين وغيرهم بالبكاء على الحسين ع بإشتداد لا يفتر و لا يهدأ الى ظهوره في رجعته .

5.وورد في ذيل قوله تعالى ((وَ مَنْ قُتِلَ مَظْلُوماً فَقَدْ جَعَلْنا لِوَلِيِّهِ سُلْطاناً- فَلا يُسْرِفْ فِي الْقَتْلِ إِنَّهُ كانَ مَنْصُورا))
قال: هو الحسين بن علي ع قتل مظلوما و نحن أولياؤه، و القائم منا إذا قام منا طلب بثار الحسين، فيقتل حتى يقال قد أسرف في القتل، و قال: المقتول الحسين ع و وليه القائم، و الإسراف في القتل- أن يقتل غير قاتله‏ إِنَّهُ كانَ مَنْصُوراً، فإنه لا يذهب من الدنيا- حتى ينتصر برجل من آل رسول الله ص، يملأ الأرض قسطا و عدلا كما ملئت جورا و ظلما.
وورد في زيارته ع «وَ أَنَّكَ ثَارُ اللَّهِ فِي أَرْضِهِ حَتَّى يَسْتَثِيرَ لَكَ مِنْ جَمِيعِ خَلْقِهِ …ِ وَ أَنَّكَ ثَارُ اللَّهِ فِي الْأَرْضِ وَ الدَّمُ الَّذِي لَا يُدْرِكُ ثَارَهُ‏ [تِرَتَهُ‏] أَحَدٌ مِنْ أَهْلِ الْأَرْضِ وَ لَا يُدْرِكُهُ إِلَّا اللَّهُ وَحْدَه‏ …. ضَمَّنَ الْأَرْضَ وَ مَنْ عَلَيْهَا دَمَكَ وَ ثَارَكَ‏ يَا ابْنَ رَسُولِ اللَّه‏ ،وَ أَنَّكَ ثَارُ اللَّهِ فِي الْأَرْضِ حَتَّى يَسْتَثِيرَ لَكَ مِنْ جَمِيعِ خَلْقِه‏» والتعبير «من جميع خلقه» دال على مدى خطورة إتساع المشروع الإلهي في سيد الشهداء ع وأن مسؤوليته شاملة لكل البشر بل جميع خلقه، وقد ورد عنهم عليهم السلام :  صلاة الوحش وزيارته للحسين ع « ِ فَقَالَ هَلْ تَدْرِي مَا فَضْلُ مَنْ أَتَاهُ وَ مَا لَهُ عِنْدَنَا مِنْ جَزِيلِ الْخَيْرِ فَقُلْتُ لَا فَقَالَ أَمَّا الْفَضْلُ فَيُبَاهِيهِ مَلَائِكَةُ السَّمَاءِ وَ أَمَّا مَا لَهُ عِنْدَنَا فَالتَّرَحُّمُ عَلَيْهِ كُلَّ صَبَاحٍ وَ مَسَاءٍ وَ لَقَدْ حَدَّثَنِي أَبِي أَنَّهُ لَمْ يَخْلُ مَكَانُهُ مُنْذُ قُتِلَ مِنْ مُصَلٍّ يُصَلِّي عَلَيْهِ مِنَ الْمَلَائِكَةِ أَوْ مِنَ الْجِنِّ أَوْ مِنَ الْإِنْسِ أَوْ مِنَ الْوَحْشِ وَ مَا مِنْ شَيْ‏ءٍ إِلَّا وَ هُوَ يَغْبِطُ زَائِرَهُ وَ يَتَمَسَّحُ بِهِ وَ يَرْجُو فِي النَّظَرِ إِلَيْهِ الْخَيْرَ لِنَظَرِهِ إِلَى قَبْرِهِ .
وهذا ينبه على فلسفة دوام إقامة العزاء والبكاء على سيد الشهداء ع

6. كما ورد في زيارته « السلام عليك يا صاحب المصيبة الراتبة وقتيل الدمعة الساكبة»  ، كم أن الصلاة راتبة ، وأن زيارته خير موضوع  فَمَنْ أَكْثَرَ مِنْهَا فَقَدِ اسْتَكْثَرَ مِنَ الْخَيْرِ وَ مَنْ قَلَّلَ قُلِّلَ لَهُ نظير ما ورد في الصلاة أنها خير موضوع فمن شاء إستقل ومن شاء إستكثر ونظير ما ورد في الدعاء أنه خير موضوع .
وَ لَوْ يَعْلَمُونَ مَا فِي زِيَارَتِهِ مِنَ الْخَيْرِ وَ يَعْلَمُ ذَلِكَ النَّاسُ لَاقْتَتَلُوا عَلَى زِيَارَتِهِ بِالسُّيُوفِ وَ لَبَاعُوا أَمْوَالَهُمْ فِي إِتْيَانِهِ وَ إِنَّ فَاطِمَةَ ع إِذَا نَظَرَتْ إِلَيْهِمْ وَ مَعَهَا أَلْفُ نَبِيٍّ وَ أَلْفُ صِدِّيقٍ وَ أَلْفُ شَهِيدٍ وَ مِنَ الْكَرُوبِيِّينَ أَلْفُ أَلْفٍ يُسْعِدُونَهَا عَلَى الْبُكَاءِ وَ إِنَّهَا لَتَشْهَقُ شَهْقَةً فَلَا يَبْقَى فِي السَّمَاوَاتِ مَلَكٌ إِلَّا بَكَى رَحْمَةً لِصَوْتِهَا وَ مَا تَسْكُنُ حَتَّى يَأْتِيَهَا النَّبِيُّ ص [أَبُوهَا] فَيَقُولُ يَا بُنَيَّةِ قَدْ أَبْكَيْتِ أَهْلَ السَّمَاوَاتِ وَ شَغَلْتِهِمْ عَنِ التَّسْبِيحِ وَ التَّقْدِيسِ فَكُفِّي حَتَّى يُقَدِّسُوا فَ إِنَّ اللَّهَ بالِغُ أَمْرِهِ‏ وَ إِنَّهَا لَتَنْظُرُ إِلَى مَنْ حَضَرَ مِنْكُمْ فَتَسْأَلُ اللَّهَ لَهُمْ مِنْ كُلِّ خَيْرٍ وَ لَا تَزْهَدُوا فِي إِتْيَانِهِ فَإِنَّ الْخَيْرَ فِي إِتْيَانِهِ أَكْثَرُ مِنْ أَنْ يُحْصَى.

شاركـنـا !
فيسبوك
maram host