آخر الاضافات
ومضات عاشورية (4)
نتف عاشورية 24 أغسطس 2020

(الشعائر الحسينية و التحديات)

1- إذا رصد التاريخ يلاحظ بوضوح احتفاف الشعائر الحسينية منذ أول انطلاقها بالتحديات و التهديدات سواء الساخنة أو الناعمة في كل أنماطها من الزيارة و العزاء و المآتم و الرثاء ، و ليس الغاية هو البعد التاريخي بل البعد الفقهي من هذه الظاهرة .

2- فقد وردت روايات مستفيضة حول إتيان الزيارة والشعائر الحسينية في ظروف الخوف و المخاطرة بالنفس منذ عملية دفن الجسد الشريف إلى يومنا هذا مرورا بعهد الأئمة ع حيث كثر ذكر استنفار السلطة الأموية و العباسية للبطش بزوار الحسين ع في روايات الحديث و التاريخ ، و هدم القبر الشريف العديد من المرات .

3- و لا يخفى أن المخاطر ليست مقصورة على الزيارة بل جميع الأنشطة المرتبطة بذكرى واقعة كربلاء ،
ففي كامل الزيارات رواية عبدالله بن حماد عن الصادق ع: ….فَقُلْتُ لَهُ جُعِلْتُ فِدَاكَ قَدْ كُنْتُ آتِيهِ حَتَّى بُلِيتُ بِالسُّلْطَانِ وَ فِي حِفْظِ أَمْوَالِهِمْ وَ أَنَا عِنْدَهُمْ مَشْهُورٌ فَتَرَكْتُ لِلتَّقِيَّةِ إِتْيَانَهُ وَ أَنَا أَعْرِفُ مَا فِي إِتْيَانِهِ مِنَ الْخَيْرِ فَقَالَ هَلْ تَدْرِي مَا فَضْلُ مَنْ أَتَاهُ وَ مَا لَهُ عِنْدَنَا مِنْ جَزِيلِ الْخَيْرِ فَقُلْتُ لَا فَقَالَ أَمَّا الْفَضْلُ فَيُبَاهِيهِ مَلَائِكَةُ السَّمَاءِ وَ أَمَّا مَا لَهُ عِنْدَنَا فَالتَّرَحُّمُ عَلَيْهِ كُلَّ صَبَاحٍ وَ مَسَاءٍ وَ لَقَدْ حَدَّثَنِي أَبِي أَنَّهُ لَمْ يَخْلُ مَكَانُهُ مُنْذُ قُتِلَ مِنْ مُصَلٍّ يُصَلِّي عَلَيْهِ مِنَ الْمَلَائِكَةِ أَوْ مِنَ الْجِنِّ أَوْ مِنَ الْإِنْسِ أَوْ مِنَ الْوَحْشِ وَ مَا مِنْ شَيْ‏ءٍ إِلَّا وَ هُوَ يَغْبِطُ زَائِرَهُ وَ يَتَمَسَّحُ بِهِ وَ يَرْجُو فِي النَّظَرِ إِلَيْهِ الْخَيْرَ لِنَظَرِهِ إِلَى قَبْرِهِ ع‏ ثُمَّ قَالَ بَلَغَنِي أَنَّ قَوْماً يَأْتُونَهُ مِنْ نَوَاحِي الْكُوفَةِ وَ نَاساً [أُنَاساً] مِنْ غَيْرِهِمْ وَ نِسَاءً يَنْدُبْنَهُ وَ ذَلِكَ فِي النِّصْفِ مِنْ شَعْبَانَ فَمِنْ بَيْنِ قَارِئٍ يَقْرَأُ وَ قَاصٍّ يَقُصُّ وَ نَادِبٍ يَنْدُبُ وَ قَائِلٍ يَقُولُ الْمَرَاثِيَ فَقُلْتُ نَعَمْ جُعِلْتُ فِدَاكَ قَدْ شَهِدْتُ بَعْضَ مَا تَصِفُ فَقَالَ الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي جَعَلَ فِي النَّاسِ مَنْ يَفِدُ إِلَيْنَا وَ يَمْدَحُنَا وَ يَرْثِي لَنَا وَ جَعَلَ عَدُوَّنَا مَنْ يَطْعُنُ عَلَيْهِمْ مِنْ قَرَابَتِنَا وَ غَيْرِهِمْ يَهُدُّونَهُمْ [يُهَدِّدُونَهُمْ‏] وَ يُقَبِّحُونَ مَا يَصْنَعُون‏) . فالقارئ هو الخطيب الناعي أو الرادود والقاص هو الخطيب السارد لأحداث وقائع الطفوف و النادب مطلق الناعي والراثي يشمل الشاعر المنشد ، و(يهددونهم) أي يدبرون لهم مخاطر جائحة ،
و فی روایة مِسْمَعِ‏ بْنِ عَبْدِ الْمَلِكِ كِرْدِينٍ الْبَصْرِيِّ قَالَ: قَالَ لِي أَبُو عَبْدِ اللَّهِ ع يَا مِسْمَعُ أَنْتَ مِنْ أَهْلِ الْعِرَاقِ أَمَا تَأْتِي قَبْرَ الْحُسَيْنِ ع قُلْتُ لَا أَنَا رَجُلٌ مَشْهُورٌ عِنْدَ أَهْلِ الْبَصْرَةِ وَ عِنْدَنَا مَنْ يَتَّبِعُ هَوَى هَذَا الْخَلِيفَةِ وَ عَدُوُّنَا كَثِيرٌ مِنْ أَهْلِ القَبَائِلِ مِنَ النُّصَّابِ وَ غَيْرِهِمْ وَ لَسْتُ آمَنُهُمْ أَنْ يَرْفَعُوا حَالِي عِنْدَ وُلْدِ سُلَيْمَانَ فَيُمَثِّلُونَ‏ بِي قَالَ لِي أَفَمَا تَذْكُرُ مَا صُنِعَ بِهِ قُلْتُ نَعَمْ قَالَ فَتَجْزَعُ قُلْتُ إِي وَ اللَّهِ وَ أَسْتَعْبِرُ لِذَلِكَ حَتَّى يَرَى أَهْلِي أَثَرَ ذَلِكَ عَلَيَّ فَأَمْتَنِعُ مِنَ الطَّعَامِ حَتَّى يَسْتَبِينَ ذَلِكَ فِي وَجْهِي قَالَ رَحِمَ اللَّهُ دَمْعَتَكَ- أَمَا إِنَّكَ مِنَ الَّذِينَ يُعَدُّونَ مِنْ أَهْلِ الْجَزَعِ لَنَا وَ الَّذِينَ يَفْرَحُونَ لِفَرَحِنَا وَ يَحْزَنُونَ لِحُزْنِنَا وَ يَخَافُونَ لِخَوْفِنَا وَ يَأْمَنُونَ إِذَا أَمِنَّا…..) والتمثیل هو التنکیل بالجسد من قطع الأيدي أو الأرجل أو غير ذلك .
و لا يخفى أن ممارسة الشعائر هذه عند قبر الحسين ع في زمن الصادق ع مخاطرة كبيرة جدا كما دلت عليه الروايات المستفيضة و زيادة على ذلك إقامة الندبة من نساء الموالين لأهل البيت ع عند قبره ع ، مما يدلل على إصرار و تأكيد أئمة أهل البيت ع على إقامة الشعائر الحسينية في الظروف العصيبة المخطورة جدا .

4- و كأن حرارة هذه الشعائر لا تتنامى إلا بالتحدي و التهديد و المخاوف و المخاطر كما أخبرت عقيلة الاصطفاء عن الحديث والعهد النبوي : (وَيَنْصِبُونَ لِهَذَا الطَّفِّ عَلَماً لِقَبْرِ أَبِيكَ سَيِّدِ الشُّهَدَاءِ لَا يَدْرُسُ أَثَرُهُ وَلَا يَعْفُو رَسْمُهُ عَلَى كُرُورِ اللَّيَالِي وَالْأَيَّامِ وَ لَيَجْتَهِدَنَّ أَئِمَّةُ الْكُفْرِ وَ أَشْيَاعُ الضَّلَالَةِ فِي مَحْوِهِ وَ تَطْمِيسِهِ فَلَا يَزْدَادُ أَثَرُهُ إِلَّا ظُهُوراً وَ أَمْرُهُ إِلَّا عُلُوّا) .

5- و الوجه في تقدير المخاطر و المخاوف محدقة بالشعائر الحسينية أنها في الأساس مجعولة لأجل التربية والترويض على الفداء والتضحية في سبيل الله ، وهذا الترويض كمناورة تدريبية لا بد من أن يمر بالأشواك و الزلازل و البراكين الفوارة سواء الساخنة أو الناعمة ، كي يتم الامتحان في دورة متكاملة ، و لا يتسنى قيامها في نعيم ورغيد العيش ورفاهية الأمن والأمان ، كما هو حال شهداء أبطال كربلاء فإنهم لم يصلوا إلى الشهادة ومقام وصف الأنصار إلا بعد تمحيص بمخاوف وتهديدات شديدة أحاطت بهم ، فإنه قد أجرى لهم القدر و سيد الشهداء ع امتحانات متعاقبة متصاعدة في الاشتداد .

6- و من ثم بنى غير واحد من أعلام التحقيق على أن الشعائر الحسينية شرعت في الأساس على تحمل الضرر كباب الجهاد فلا يكون مطلق الضرر رافعا لها ، سواء الضرر الساخن أو الناعم ، و الحكم الذي بني موضوعه على مطلق الضرر أو الضرر الخاص كالخمس والزكاة على الضرر المالي ، لا يكون ذلك الضرر رافعا للحكم ، و من ثم كانت الروايات الواردة في الحث على زيارة الحسين ع في الخوف على مقتضى القاعدة لا مخصصة لقاعدة الضرر .

7- و قد أشارت الروايات إلى تناغم و تناسب الخوف بل كلما تشتد المخاوف فهي أمتن تناسبا للشعائر الحسينية نظير قوله ع في رواية مُحَمَّدِ بْنِ مُسْلِمٍ فِي حَدِيثٍ طَوِيلٍ قَالَ : قَالَ لِي أَبُو جَعْفَرٍ مُحَمَّدُ بْنُ عَلِيٍّ ع هَلْ تَأْتِي قَبْرَ الْحُسَيْنِ ع قُلْتُ نَعَمْ عَلَى خَوْفٍ وَ وَجَلٍ فَقَالَ مَا كَانَ مِنْ هَذَا أَشَدَّ فَالثَّوَابُ فِيهِ عَلَى قَدْرِ الْخَوْفِ وَ مَنْ خَافَ فِي إِتْيَانِهِ آمَنَ اللَّهُ رَوْعَتَهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ يَوْمَ يَقُومُ النَّاسُ لِرَبِّ الْعالَمِينَ‏ وَ انْصَرَفَ بِالْمَغْفِرَةِ وَ سَلَّمَتْ عَلَيْهِ الْمَلَائِكَةُ وَ زَارَهُ النَّبِيُّ ص وَ دَعَا لَهُ- وَ انْقَلَبَ بِنِعْمَةٍ مِنَ اللَّهِ وَ فَضْلٍ لَمْ يَمْسَسْهُ سُوءٌ وَ اتَّبَعَ رِضْوَانَ اللَّهِ ثُمَّ ذَكَرَ الْحَدِيثَ.
ورواية مُعَاوِيَةَ بْنِ وَهْبٍ عَنْ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ ع قَالَ قَالَ: يَا مُعَاوِيَةُ لَا تَدَعْ زِيَارَةَ قَبْرِ الْحُسَيْنِ ع لِخَوْفٍ فَإِنَّ مَنْ تَرَكَهُ رَأَى مِنَ الْحَسْرَةِ مَا يَتَمَنَّى أَنَّ قَبْرَهُ كَانَ عِنْدَهُ أَ مَا تُحِبُّ أَنْ يَرَى اللَّهُ شَخْصَكَ وَ سَوَادَكَ فِيمَنْ يَدْعُو لَهُ رَسُولُ اللَّهِ ص وَ عَلِيٌّ وَ فَاطِمَةُ وَ الْأَئِمَّةُع أَمَا تُحِبُّ أَنْ تَكُونَ مِمَّنْ يَنْقَلِبُ بِالْمَغْفِرَةِ لِمَا مَضَى وَ يُغْفَرُ لَهُ ذُنُوبُ سَبْعِينَ سَنَةً أَمَا تُحِبُّ أَنْ تَكُونَ مِمَّنْ يَخْرُجُ مِنَ الدُّنْيَا وَ لَيْسَ عَلَيْهِ ذَنْبٌ يُتْبَعُ بِهِ أَمَا تُحِبُّ أَنْ تَكُونَ غَداً مِمَّنْ يُصَافِحُهُ رَسُولُ اللَّهِ ص‏ .
ورواية ابْنِ بُكَيْرٍ عَنْ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ ع قَالَ: قُلْتُ لَهُ إِنِّي أَنْزِلُ الْأَرَّجَانَ وَ قَلْبِي يُنَازِعُنِي إِلَى قَبْرِ أَبِيكَ فَإِذَا خَرَجْتُ فَقَلْبِي وَجِلٌ مُشْفِقٌ حَتَّى أَرْجِعَ خَوْفاً مِنَ السُّلْطَانِ وَ السُّعَاةِ وَ أَصْحَابِ الْمَسَالِحِ فَقَالَ يَا ابْنَ بُكَيْرٍ أَ مَا تُحِبُّ أَنْ يَرَاكَ اللَّهُ فِينَا خَائِفاً أَ مَا تَعْلَمُ أَنَّهُ مَنْ خَافَ لِخَوْفِنَا أَظَلَّهُ اللَّهُ فِي ظِلِّ عَرْشِهِ وَ كَانَ مُحَدِّثُهُ الْحُسَيْنَ ع تَحْتَ الْعَرْشِ وَ آمَنَهُ اللَّهُ مِنْ أَفْزَاعِ يَوْمِ الْقِيَامَةِ يَفْزَعُ النَّاسُ وَ لَا يَفْزَعُ فَإِنْ فَزِعَ وَقَّرَتْهُ [قَوَّتْهُ‏] الْمَلَائِكَةُ وَ سَكَّنَتْ قَلْبَهُ بِالْبِشَارَةِ) . و غيرها من الروايات المستفيضة الواردة كما في الصحيح -القطعي الصدور لتعدد طرقه الأعلائية – لمعاوية بن وهب عن الصادق ع ولا تنحصر ببعض الروايات التي جمعها ابن قولويه في باب عقده بل ما في غيره من الأبواب أعظم دلالة على الإصرار والتأكيد الشديد من أئمة أهل البيت ع على إقامة الشعائر الحسينية في كل الأوضاع القاهرة والأهوال المهددة .

8- و هذا التناسب بسبب حقيقة ماهية الشعائر الحسينية من أن غايتها لا تنحصر في مواساة أهل البيت ع في الحزن و تبيان ظلاماتهم وتقرير حقوقهم في قيادة الأمة و غيرها من الغايات العظيمة المذكورة في النصوص و كلمات أعلام المذهب بل من غاياتها ما مر من الترويض على المخاوف و الأهوال في سبيل الله تعالى الذي هو منهاج أهل البيت ع .

شاركـنـا !
فيسبوك
maram host