آخر الاضافات
التحقيق في تراث عاشوراء

(15) – دعوى التحقيق في تراث عاشوراء
السؤال 1:
كما تعلمون شيخنا، إنّ لنا في البحرين كتاب يُسمى “المنتخب” او “الفخري” او “الطريحي”،
وهو كتاب الشيخ فخر الدين الطريحي، الذي أسماه “المنتخب في جمع المراثي والخطب”
يحتوي نعياً لأهل البيت، من تعليقات للشيخ الطريحي نفسه، وأخبار يذكرها عنهم سلام الله عليهم، وقصائد رثائية ،
وهذا الكتاب كما تعلمون، إعتاد أن يقرؤه المعزون في المآتم والحسينيات بأسلوب ولحن خاص قبل إرتقاء الخطيب المنبر ..
ولكن في الآونه الآخيره تراءت للبعض فكرة إستبدال قراءة هذا الكتاب بقراءة زيارة عاشوراء، أو زيارة أمين الله ..
فما هو في رأيكم الأولى ..!؟؟
وشكرا …

س2- هناك فرق بين المنهج الفقهي والمنهج التاريخي ، ونتيجة الخلط بينهما صار هذا الإلتباس ، فصار البعض يسأل عن صحة الروايه في المسائل التاريخيه،
وهذا لا وجه له وبيان ذلك إنّ في القضايا الفقهيه يبحث عن المنجزيّة والمعذريّة وإسناد النتيجه إلى الله سبحانه وتعالي ، فمالم يكن الدليل حجة او منتهي الى ماهو حجة فلا يصلح للمنجزية والمعذريه ويكون الاسناد ، والحال هذه إفتراءٌ على الله تعالي كما قال تعالي قل الله أذن لكم ام على تفترون ، هذا في باب الإحكام فلا بد أن يكون المستند حجة يصح الإستناد إليه وأمّا في القضايا التاريخيه فلا يراد إثبات منجزيّة أو معذريّة ، لكن لا يعني ذلك عدم ثبوت منهج ومعايير للقضايا التار يخ ، هناك فرق بين المنهج الفقهي والمنهج التاريخي ، ونتيجة الخلط بينهما صار هذا الإلتباس فصار البعض يسأل عن صحة الروايه في المسائل التاريخيه .
فما هي المعيار والمنهج في الاخذ بالقضايا التاريخية ؟
ليس المطلوب في مقتل سيد الشهداء عليه السلام وأحداث كربلاء صحة السند ، والغالبية من روايات المقتل إلى ما يزيد عن ٩٠٪ ليس بصحيح السند ، وفقا للميزان الرجالي ، ورواية النطح مثل رواية قتل الشمر لسيد الشهداء (ع) ، فهي رواية غير صحيحة السند ، ولكن ذلك لا يضر بها ولا بصحة نقلها.
قال الشيخ مرتضى الأنصاري قدس سره في التنبيه الرابع من رسالته التسامح في أدلة السنن بعد نقله لعبارة الشهيد الثاني قدس سره الدالة على أن الأكثر يرى جواز العمل بالخبر الضعيف في القصص قال مايلي:
“المراد بالعمل بالخبر الضعيف في القصص والمواعظ ، هو نقلها وإستماعها وضبطها في القلب وترتيب الآثار عليها ، عدا ما يتعلق بالواجب والحرام … ويدخل في العمل – أي العمل بالخبر الضعيف- الإخبار بوقوعها أي الفضائل والمصائب من دون نسبة إلى الحكاية ، على حد الاجتهاد بالأمور المذكورة الواردة بالطرق المعتمدة، كأن يقال : كان أمير المؤمنين عليه السلام فعل كذا وكذا.

إجابة سماحة الشيخ “دام ظله الشريف” :

الميزان في سرد أحداث كربلاء وإستعراضها على المنابر والندوات ، هل ينحصر كما يتوهمه البعض ؟ بأنه منحصر بالطريق الصحيح والمعتبر ، وأما المراسيل في كتب التاريخ بل والمقاتل بل والحديث أيضاً فلايعبأ ولا يعتنى بها ، ولايكترث كما هو الميزان في الاحتجاج بالحجة الشرعية .
وهذا التوهم بمكان من الغفلة والسُبات فإنّه
1- لو أعتمد مايتوهّم فلابد أن نطالب جميع البشرية بإعدام وإبادة كل مصادرها التاريخية ، وكذلك مصادر تاريخ الإسلام والنبي (ص) ، وهذا يُعدُ جنوناً وجهلاً يقطع الأمم عن ماضيها والمعاصر عن تمدن وحضارات الماضي ، كما إنّ الدعوة إلى نبذ التراث التاريخي ، هو بمثابة قطع صلة الحاضر عن كل مكتسبات وجهود الغابر ، وسداً لباب العبرة والإعتبار .

2- إنّ الحُجيّة والدليل الإثباتي ، لاينحصر ولايقتصر على الطريق الصحيح وخبر الواحد المعتبر ، لا في البحث الفقهي ، ولا في بحوث العلوم الأخرى ، بل هناك الطرق الأخرى أعظم شأناً وإعتبارا من الخبر الواحد الصحيح ، فإنّ الخبر المتواتر والمستفيض والموثوق أعلى حجيةً منه ، وذلك لقوة درجة الإطمئنان عن الظن المتوفر في خبر الواحد الصحيح والخبر المتواتر والمستفيض والموثوق بصدورهِ ، لايعتمد على إنفرادية الخبر وآحاديته ، بل يعتمد على تجمع ومجموع الطرق وتراكم عددها من الناحية الكمية ومن الناحية الكيفية ، من جهة القرائن والشواهد المتقارنة والمتعاضدة والمتظافرة ، وهذه يعطي رصيد في قوة إحتمال الصدق أكثر بكثير من آحادية الخبر الواحد المنفرد ، بل إنّ جملة علماء الإماميّة في القرن الثالث والرابع والخامس ، جُلّهم لايعتمد على آحادية الخبر الواحد ولو كان صحيحاً ، بل يعتمدون على الإستفاضه والتراكم للقرائن وتكثّرها تراكمياً ، فلاحظ ماكتبه الشيخ المفيد في الإرشاد من تاريخ المعصومين (ع) ، وكذلك الشيخ الطبرسي في كتابه أعلام الورى ، وغيرهما في بقية الكتب في تاريخ المعصومين (ع) .

ولايخفى إنّ مخزون القرائن والشواهد لا يحافظ عليه إلاّ بسبر وإستقصاء كل المصادر والكتب ، وعلى ضوء المنهج التراكمي والتصاعد الكيفي للدلائل والشواهد والقرائن فإنّه لايُفرّط في أيّة قصاصة ، ولايُفرّط بأيّة قرينة ، ولايُفرّط بأيّة معطية مهما ضَعُفِت هي في نفسها ، لأن القيمة الإستدلاليه لا تثمنّها ولا توزنها بماهي منفردة فقط ، بل بماهي تنضم تراكمياً مع غيرها من عشرات ومئات وآلاف القصاصات والقرائن والمعطيات والدلائل ، فإنّ ضعفها بمفردها وإنفرادها لايعني ضعفها منضّمةً ومجتمعةً مع غيرها ، وهذه حقيقةٌ واقعيةٌ منهجيةٌ معرفيةٌ منطقيّةٌ تكوينيةٌ قد إنتهجها جميع عقلاء البشر ، فإنّك ترى إنّ المحقق الجنائي على صعيد الحوادث الفردية او الحوادث والنزاعات الدولية ، لايُفرّط ولايتهاون بأيّة معطية وقصاصة ، مهما تضائلت نسبة إحتمال إيصالها للواقع ، بل يكترثون ويحافظون ويختزنون كل شاردةٍ وواردةٍ ، وكل صغيرةٍ وكبيرةٍ ، وكل جليلٍ ودقيقٍ ، فإنّها لربما كانت رأس الخيط الذي منه ينفتح باب الحقيقة المجهولة المغمورة ، وكم كانت قرينة ضعيفة بمفردها تعاضدت بعد ذلك بعشرات او مئات القرائن الأخرى ، فكانت طريقاً مفتاحاً للوصول إلى الحقيقة الواسعة ، وعلى ضوء ذلك فإنّ الحفاظ والإحتفاظ بالتراث والكتب تعاهدها بالدراسة والمدارسة والتنقيب والبحث ، أمرٌ حضاريٌ تمدنيٌّ علميٌّ معرفيٌّ تحقيقيٌّ ، وإهمالها ضياعٌ للعلمِ والحقيقة والمعرفة ، وتوغّلٌ في الجهالةِ وإبتعاداً عن الوصول إلى الواقعية .

شاركـنـا !
فيسبوك
maram host