آخر الاضافات
المنهج في تحقيق وقائع عاشوراء

بعد وضوح تعاظم فادحة الطف وعظم الجناية التي ارتُكبت في التطاول على الله تعالى ورسوله من قبل العصابة الأموية المروانية الدموية؛ فليس منهج العقلاء ولا نهج البشر على التبرئة حتى يثبت الجرم.

وبعبارة أخرى: العرف القانوني في السيرة العقلانية على التعاطي مع باب الجنايات وتوثيقها على صور وأقسام، فتارةً أصل الجناية والجرم لم يتحقق من وقوعهما وأخرى قد ظنّ وقوعهما وثالثة قد تحقق من وقوعهما.

كما أن درجة الجناية تارةً من الخطورة بمكان تمس بنياناً وأساساً بالغ الأهمية ببعد مجتمعي حضاري تمتد تداعياته إلى أجيال وأمم وأخرى متوسطاً في ذلك وثالثةً عادياً ببعد فردي.

كما أنَّ المتّهم تارةً طاهر النقيبة ونظيف الردان وثانيةً متهوم ظنين وثالثةً معلوم أنّه شرور دموي من عصابات تحترف الغدر والغيلة والسطو والعدوان.

ومن الواضح اختلاف أحكام الصور عند اجتماع الشقوق التسع فيما بينها، والحكم ببراءة المتهم حتى تثبت جنايته ليس مطرداً في كثير من تلك الصور بل جملة منها الحكم بإلادانة حتى تثبت البراءة،
كما أنَّ الحكم في جلّها في أنَّ الفحص والتحري هو المدار والميزان لا البناء على التبرئة والتنزيه والنفي والإنكار حتى يتبين الحال.

فمثلاً:
في موارد التحقق من وقوع الجناية والجرم؛ فالنهج هو على التحريات وإجراء مسيرة الفحص وعدم التهاون وتجنب التفريط في حقوق المجني عليه لاسيما إذا كان من الحق العام وليس هو من البعد الشخصي بل طابع بعد الحق العام.

وأمّا مع زيادة ثبوت تورط الجاني في الجناية ووقوع الجرم بشكل إجمالي فليس القاعدة المتبعة لدى العرف العقلائي السائد لديهم في التفاصيل على البراءة والتبرئة ولا تنزيه الجاني عن التفاصيل المظنونة حتى يتبين الحال، بل على المزيد من التحري والتقصي والفحص.

وعلى ضوء ذلك فالخلط بين أقسام الصور وجعلها بحكم واحد وإطلاق قاعدة المتهم بريء حتى تثبت إدانته تسرية لها لغير موردها وأنّ جل الموارد والأقسام هي على خلاف ذلك كما مرّ.

وإذا زيد إلى الفرض كون فعل الجناية والجرم بالغ الأهمية والخطورة وتداعياته واسعة المدى فمن الواضح أن نهج العقلاء في ذلك الباب على الاستنفار الشديد في الفحص والاهتمام والمبالغة في التحري.

وإذا زيد إلى ذلك أن كيفية ارتكاب الجريمة كانت بأبشع ما يكون واشنع ما يبطش وأقسى ما يفتك فإن درجة الجناية والإجرام تتصاعد شدة وفداحة؛ فتتعالى درجة الملاحقة والمتابعة للجُناة.

وكل هذه المواصفات الثلاث والأربع منطبقة على واقعة الطف من جهات ومنطبقة على عصابة الإجرام من بني أمية من جهات، ومنطبقة على خطورة وقع وتداعيات الحادثة ومنطبقة على الآليات البشعة والبطش الذي ارتُكب.
أضف إلى ذلك خامساً: كون الجناية ليست مدنية محدودة بل دينية وسياسية عسكرية وأمنية حضارية.

فمن البين على وفق تلك القواعد العقلائية في باب التحريات والتحقيقات الجنائية أنّ الموقف في تحقيق وقائع عاشوراء وأحداث كربلاء لابد أن تأخذ التحريات والتحقيقات والملاحقات والمتابعات مجراها على وفق تلك القواعد والضوابط
لا أن يتعاطى معها على وفق قضية مدنية ذات طابع فردي فإنه بمنأى عن حقائق الأحداث والوقايع في مواجهة الطف الكبرى والدواعي والأهداف التي انطلقت منها،
كل ذلك يوظِّف منهج وأصول تُلقي بمسؤوليتها على الباحث والمحقق في نازلة الطفوف، كي يخرج بذلك عن التقصير والتفريط في إحقاق الحقائق فإن واقعة كربلاء قد أعدّت لها السماء والإرادة الأزلية الإلهية إعداداً منقطع المثيل ومنتفي عنه النظير، كلُّ ذلك لأجل وخامة التداعيات على الدين ومصير المسير البشري.

فيا أيها الباحث إن كنت أهلاً وذا أهلية للقيام بذلك فأوفِ واستوفِ ما تستطيعه وإلا فلا تحكم ولا تقضي من نفسك بتبرئة جناة الإجرام ولا تنزّه عصابات الدم والدمار للإنسانية فإنك ستكون شريكاً فيما ارتَكبوا، قال تعالى: {وَلا تَكُنْ لِلْخَائِنِينَ خَصِيماً}
وقال تعالى : {وَلاَ تُجَادِلْ عَنِ الَّذِينَ يَخْتَانُونَ أَنفُسَهُمْ إِنَّ الله لاَ يُحِبُّ مَن كَانَ خَوَّانًا أَثِيمًا}.
ومن أعظم الظلم أن يسعى الباحث لتبرأة الجُناة وتلميع صورتهم والتغطية على ما أرتكبوا والإسهام في التعتيم على ما أقترفوا،
فلتعلم أيها الباحث وأيها الكاتب وأيها المحاضر أن تسجيل موقف في البحث إما يكون إصطفاف مع إجهار صوت الظلامة والمظلوم في واقعة الطف، وإما والعياذ بالله مناصرة لبني أمية ومحاماة عن جناياتهم وفظاعة ما أرتكبوا؛ فكل تقرير وحكم تطلقه فإنه يأخذ أحد المسارين.
قال تعالى: {إِذْ تَلَقَّوْنَهُ بِأَلْسِنَتِكُمْ وَتَقُولُونَ بِأَفْوَاهِكُمْ مَا لَيْسَ لَكُمْ بِهِ عِلْمٌ وَتَحْسَبُونَهُ هَيِّنًا وَهُوَ عِنْدَ اللَّهِ عَظِيمٌ}
فمسؤولية اللسان والقول من أعظم التكاليف.

أو يعلم القائل برأيه والباحث الذي يبدي بحكم في أحداث الطف أنه نصّب نفسه قاضياً بين المعسكرين في أعظم واقعة وحادثة في الدين فهل يملك الأهلية الكافية لذلك أم يكون ممن جلس مجلس القضاء وليس بأهل له فليتبوأ مقعده من النار، اتقوا الحكومة -الحكم القضائي- فإن الحكومة إنما هي للإمام العالم بالقضاء العادل في المسلمين لنبي أو وصي نبي.

ولماذا كل هذا التهويل والتضخيم؟! ذلك لصعوبة الإحاطة بآليات إحقاق الحق وكشف الحقايق كما هي وإلا فستكون الحكومة والحكم القضائي مناصرة للظالم الجبار على المظلوم المهتضم./ومضات من ملحمة الطف .

شاركـنـا !
فيسبوك
maram host