آخر الاضافات
فلسفة الشعائر الحسينية بين المظلومية والشهادة

1- هناك جدلية في طابع الشعيرة الحسينية بين كون طبيعتها المظلومية والانكسار والتباكي والحزن والجزع وهذه أمور سبب و باعثة على الضعف والوهن والضراعة والاستكانة والإحجام .

وبين كون طبيعتها الحماس والتعبئة و التربية على لهيب الفداء والتضحية والرغبة في الشهادة والاستشهاد وهذه أمور سبب باعثة على العنف والتوحش والتشنج مع الآخرين والشحن الطائفي وإثارة الأحقاد وتوغير الصدور .

فالأمثل في طبيعة الشعيرة الحسينية و اعتماد الهدوء و
لغة الفكر والإقلال من البكاء هكذا ارتأى جماعة في تأطير الشعيرة و نموذجية قالبها وان طابع يجب إبعاده عن لون الإنتقام والعنف بل تلوينه بالتسامح والتساهل والمحبة .

ولابد لصيرورة الرؤيا واضحة لواقع الحال من تبيين امور :

1- ان المظلومية لاتعني الانكسار ولا التقاعس ولا الفشل ولا الهوان ولا الاستكانة ولا الضراعة ولا الضعف ولا الجزع من تحمل المسؤولية
كل هذه المفاهيم مزجت مسخا مع مفهوم المظلومية والظلامة
وأدخلت إلتباسا .

كما هو الحال في مفاهيم صحيحة كثيرة من الكمال مزجت بمفاهيم نقص وانتكاس اخرى ، وههنا المشكلة الدهياء والبلية الطامة ،
نظير خلط مفهوم الشهادة بمفهوم بذل النفس للقتل في سبيل الله طيعا سهلا ،
او مفهوم التقية بمفهوم السكون والاستكانة والإحجام والهوان والوهن والضعف والفشل .

والحال ان مفهوم الشهادة مفهوم كمال في كل جوانبه وزواياه لا يخالطه النقص ،وكذلك مفهوم التقية مفهوم إداري تخطيطي علاجي لا يمازجه النقص والنقوص في زواياه وقوائمه .

فمثلا مفهوم الشهادة يقرب من مفهوم روح المغامرة والاندفاع في طابعه الايجابي لا التهور بغفلة عن الخطوب بل عدم إهابتها من دون تفريط في الحزم والإحكام للخطى في كل الجوانب ،فهذا اميرالمؤمنين ع كان يحرص على الشهادة من يوم بدر واحد وبقية الحروب مع النبي ص وكان يبكي لفواتها ،ومع ذلك فإن العبد وحشي عندما سئل عن عدم قتله لاميرالمؤمنين علي بن ابي طالب دون حمزة قال إن عليا يتلفت في القتال الى كل ناحية كالغراب في حذره وخفت ان يبصرني ففي ذلك هلاكي.

فمع كل هذا الحذر البالغ له عليه السلام إلا أنه كان في قمة الشجاعة والإندفاع ومع حرصه التام على الشهادة ،مما ينبه ان معناها يقارب المغامرة والإقدام من دون رهبة واسترخاص للنفس من دون تفريط من مكايد العدو فاسترخاص النفس لأجل الهدف لا استرخاصها في يد مكيدة العدو . واين هذا المعنى من الآخر.

وكذا معنى التقية فإنه بمعنى تصعيد آلية الخفاء والسرية والحس الأمني وتفويت الفرصة على العدو ،لا الإحجام عن النشاط و لا السكون عن الفعالية ولا الاستكانة عن الحراك والتدبير الخفي ، لاحظ ماجاء في وصف اميرالمؤمنين ع في زيارة الغدير :
وَأشهَدُ أنَّكَ ما اتَّقَيتَ ضارِعاً وَلا أمسَكتَ عَن حَقِّكَ جازِعاً وَلا أحجَمتَ عَن مُجاهَدَةِ غاصِبِيكَ ناكِلاً وَلا أظهَرتَ الرِّضى بِخِلافِ ما يُرضي اللهَ مُداهِناً وَلا وَهَنتَ لِما أصابَكَ في سَبِيلِ اللهِ وَلا ضَعُفتَ وَلا استَكَنتَ عَن طَلَبِ حَقِّكَ مُراقِباً، مَعاذَ اللهِ أن تَكُونَ كَذلِكَ بَل إذ ظُلِمتَ احتَسَبتَ رَبَّكَ وَفَوَّضتَ إلَيهِ أمرَكَ وَذَكَّرتَهُم فَما ادَّكَرُوا وَوَعَظتَهُم فَما اتَّعَظُوا وَخَوَّفتَهُمُ اللهَ فَما تَخَوَّفُوا، وَأشهَدُ أنَّكَ يا أمِيرَ المُؤمِنِينَ جاهَدتَ في اللهِ حَقَّ جِهادِهِ حَتّى دَعاكَ اللهُ إلى جِوارِهِ وَقَبَضَكَ إلَيهِ بِاخِتيارِهِ.
فلاحظ كل جملة وكل وصف ليتبين لك التمييز بين مفهوم التقية ومفاهيم النقص فهي لا تتلازم معها وشهد الزائر انه عليه السلام لم يستكن ولم يسكن عن السعي لطلب حقه وبذل كل الجهد في الله على طول خط عمره الشريف ولم يفتر عن ذلك آن واحد قط .

وكذلك مفهوم المظلومية والظلامة فإن لها معنى بديع في الكمال وهو التجرد عن الأنانية والتعالي عن الذات والمنطلقات النفسانية الغرائزية
فلا يستثار المعصوم ولا تستفزه غرائزه بتوسط آلية الظلم من العتاة الجبابرة .

وهذا معنى كظم الغيط كصفة في ائمة اهل البيت ع انهم لا يرتبك عليهم التدبير والادارة للأمور بسبب استفزاز وعتو العدو وطيش الاعداء بل يبقون في هدوء توازن الإدارة والإحاطة بتدبير الأمور ولايشاغبهم مناوشات الظالمين .

فهي مظلومية لغرائزه النفسانية من دون فقدان لوقار العقلانية ونشاط الروحانية وجرأة وفتوة القلب .

فهذا المعنى للمظلومية كله كمال وجمال من دون امتزاج بنقص وانتكاس.

شاركـنـا !
فيسبوك
maram host