بصائر عاشورية ١١

أغسطس 20, 2023
253

بصائر عاشورية (١١)

 

التحقيق في الوقائع التأريخية

 

بعد وضوح تعاظم فادحة الطف وعظم الجناية التي ارتكبت في التطاول على الله تعالى ورسوله من قبل العصابة الأموية المروانية الدموية فليس منهج العقلاء و لا نهج البشر على التبرئة حتى يثبت الجرم .

وبعبارة أخرى هناك أنواع ينقسم العرف القانوني في السيرة العقلائية على التعاطي معها في باب الجنايات وتوثيقها على أقسام وصور :

التقسيم الأول : تارة أصل الجناية والجرم لم يتحقق من وقوعهما وأخرى قد ظن وقوعهما وثالثة قد تحقق من وقوعهما .

التقسيم الثاني : إن درجة الجناية تارة من الخطورة بمكان تمس بنيانا وأساسا بالغ الأهمية ببعد مجتمعي حضاري تمتد تداعياته إلى أجيال وأمم ، وأخرى متوسطا في ذلك وثالثة عاديا ببعد فردي .

التقسيم الثالث : إن المتهم تارة طاهر النقيبة ونظيف الردان وثانية متهوم ظنين وثالثة معلوم أنه شرير دموي من عصابات تحترف الغدر والغيلة والسطو والعدوان .

ومن الواضح اختلاف أحكام الصور عند اجتماع الشقوق والتقسيمات فيما بينها . والحكم ببراءة المتهم حتى تثبت جنايته ليس مطردا في كثير من تلك الصور بل جملة منها الحكم بالحجز حتى تثبت البراءة ، كما أن الحكم في جلها أن الفحص والتحري هو المدار والميزان لا البناء على التبرئة والتنزيه والنفي والإنكار حتى يتبين الحال .

– ففي موارد التحقيقات والتحريات من وقوع الجناية والجرم – فالنهج هو على التحريات وإجراء مسيرة الفحص وعدم التهاون وتجنب التفريط في حقوق المجني عليه لاسيما إذا كان من الحق العام وليس هو من البعد الشخصي بل طابع بعد الحق العام .

ومع إضافة ، ثبوت تورط الجاني في الجناية ووقوع الجرم بشكل إجمالي فليس القاعدة المتبعة لدى العرف العقلائي السائد لديهم في التفاصيل على البراءة والتبرئة ولا تنزيه الجاني عن التفاصيل المظنونة حتى يتبين الحال ، بل على المزيد من التحري والتقصي والفحص .

وعلى ضوء ذلك فالخلط بين الأقسام والصور وجعلها بحكم واحد وإطلاق قاعدة المتهم بريء حتى تثبت إدانته تسرية لها لغير موردها وأن جل الموارد والأقسام هي على خلاف ذلك كما مر .

ويضاف إلى ذلك كون فعل الجناية والجرم بالغ الأهمية والخطورة وتداعياته واسعة المدى فمن الواضح أن نهج العقلاء في ذلك الباب على الاستنفار الشديد في الفحص والاهتمام والمبالغة في التحري .

ويضاف إلى ذلك أن كيفية ارتكاب الجريمة كانت بأبشع ما يكون وأشنع ما يبطش وأقسى ما يفتك فإن درجة الجناية والإجرام تتصاعد شدة وفداحة ، فتتعالى درجة الملاحقة والمتابعة للجناة .

وكل هذه المواصفات الأربع منطبقة على واقعة الطف من جهات ومنطبقة على عصابة الإجرام من بني أمية من جهات ، ومنطبقة على خطورة وقع وتداعيات الحادثة ومنطبقة على الآليات البشعة والبطش الذي ارتكب .

أضف إلى ذلك خامسا ، كون الجناية ليست مدنية محدودة بل دينية وسياسية عسكرية وأمنية حضارية .

فمن البين على وفق تلك القواعد العقلائية في باب التحريات والتحقيقات الجنائية أن الموقف في تحقيق وقائع عاشوراء وأحداث كربلاء هو أنه لابد أن تأخذ التحريات والتحقيقات والملاحقات والمتابعات مجراها على وفق تلك القواعد والضوابط ، لا أن يتعاطى معها على وفق قضية مدنية ذات طابع فردي فإنه بمنأى عن حقائق الأحداث والوقائع في واقعة الطف الكبرى والدواعي والأهداف التي انطلقت منها .

كل ذلك يوظف منهجا وأصولا تحدد المسؤولية على الباحث والمحقق في نازلة الطفوف ، كي يخرج بذلك عن التقصير والتفريط في إحقاق الحقائق فإن واقعة كربلاء قد أعدت لها السماء والإرادة الأزلية الإلهية إعدادا منقطع المثيل ومنتفيا عنه النظير ، كل ذلك لأجل خطورة التداعيات على الدين ومصير المسير البشري .

 

قاعدة فقهية قانونية في القضاء والمحاماة

[حرمة التبرئة والمحاماة عمن ثبت ارتكابه لجريمة كبرى]

 

فيا أيها الباحث إن كنت أهلا وذا أهلية للقيام بذلك فأوف واستوف ما تستطيعه ، وإلا فلا تحكم ولا تقضي من نفسك بتبرئة جناة الإجرام ولا تنزه عصابات الدم والدمار للإنسانية فإنك ستكون شريكا فيما ارتكبوا قال تعالى : {ولا تكن للخائنين خصيماً} .

وهناك قاعدة في تحري حقائق الأحداث والوقائع يشير إليها قوله تعالى : {ولا تجادل عن الذين يختانون أنفسهم إن الله لا يحب من كان خوّانا أثيما} ، عدم التخاصم وعدم السعي لتبرئة الخونة والظالمين الذين ثبت إجمالا طغيانهم عدم تبرئتهم عن التهم والطعون الموجهة إليهم ، وكون الإثبات يحتاج إلى دليل لا يعني ذلك السعي لدفع التهم والطعون الموجهة إليهم ، وهذه قاعدة فقهية وقانونية شرعية وعلمية مهمة يؤسسها القرآن الكريم ، سواء للمحامين او الباحثين في العلوم .

ومن أعظم الظلم أن يسعى الباحث لتبرئة الجناة وتلميع صورتهم والتغطية على ما ارتكبوا والإسهام في التغطية والتعتيم على ما اقترفوا ، فلتعلم أيها الباحث وأيها الكاتب وأيها المحاضر أن تسجيل موقف في البحث إما يكون اصطفافا مع إجهار صوت الظلامة والمظلوم في واقعة الطف ، وإما والعياذ بالله مناصرة لبني أمية ومحاماة عن جناياتهم وفظاعة ما ارتكبوا فكل تقرير وحكم تطلقه فإنه يأخذ اتجاهه إلى أحد المسارين .

قال تعالى : {إذ تلقونه بألسنتكم وتقولون بأفواهكم ما ليس لكم به علم وتحسبونه هينا وهو عند الله عظيم} ، ومسؤولية اللسان والقول من أعظم التكاليف .

ولا بد للباحث والمدلي برأيه في أحداث الطف أنه نصّب نفسه قاضيا بين المعسكرين في أعظم واقعة وحادثة في الدين فهل يملك الأهلية الكافية لذلك أم يكون ممن جلس مجلس القضاء وليس بأهل له فليتبوأ مقعده من النار ، ويخاطبه الدين اتقوا الحكومة – الحكم القضائي – فإن الحكومة إنما هي للإمام العالم بالقضاء العادل في المسلمين لنبي أو وصي نبي .

وقد يقول قائل لماذا كل هذا التهويل والتضخيم والسبب هو صعوبة الإحاطة بآليات إحقاق الحق وكشف الحقائق كما هي وإلا فستكون الحكومة والحكم القضائي مناصرة للظالم الجبار على المظلوم المهتضم .

 

[قراءات لأبعاد تأريخية]

 

جملة من مفردات الوقائع التاريخية لا يقتصر في قراءتها على قواعد علم التأريخ وعلم الرجال فقط ، بل لابد من ملاحظة أبعاد أخرى كالبعد العقائدي والأبعاد الأخرى أيضا ، نظير العباس بن عبد المطلب وأبنائه مع أمير المؤمنين عليه السلام

ففي قبال الروايات التي يظهر منها ذم لهم ، هناك روايات مثل أنه لما أسر العباس كان جبرئيل يرعاه ، وفي معركة حنين لم يثبت إلا بنو هاشم ومنهم العباس بن عبد المطلب وأولاده .

وقول الأمير ع لو كان عمي الحمزة وأخي جعفر حيين لما غصب حقي ولكن بقي عندي ……، وهذا العتاب بحد ذاته اختصاص اصطفائي للعباس وعقيل ، ومعناه أنه لو كان العباس وعقيل قد قاما بدورهما لما انحرفت الأمة ، ولم يوجه الخطاب لسلمان ولا أبي ذر ولا عمار ولا غيرهم لأنهم لا يستطيعون القيام بذلك .

وكذلك البعد والحس الأمني ، فمن لم يقرأ التأريخ بحس أمني سياسي تغيب عنه حقائق خفية خطيرة في وقائع التأريخ ، ولا يصل إلى الحقيقة أبدا .

والمشكلة أن أكثر رجال التأريخ ورواده يأخذون هذه الأمور على البساطة والوردية ولا يهتمون بالأمور الغامضة والخفية .

والحال أن الحس الأمني في علم الرجال مهم جداً في كتابة التأريخ ، والباحث الذي يبعد الدسائس التأريخية عن البحث يسلك مسلك البساطة والسذاجة والحشوية في البحث الرجالي .

التصنيفات : بصائر عاشورية