بصائر عاشورية ١٢

أغسطس 21, 2023
295

بصائر عاشورية (١٢)

البعد النفساني في فتح الفتوح للطف

– إن من الملاحم الكبرى التي أقامتها واقعة كربلاء الخالدة هي المواجهة النفسانية بين معسكر النور ومعسكرات العلائق والمیول والشهوات المکبلات للإنسان بقيود مقعدة له عن التحرر إلى ساحات النور كما تشير إلى تلك القيود والعوائق النفسانية الآية الكريمة : (( قُلْ إِنْ كانَ آباؤُكُمْ وَ أَبْناؤُكُمْ وَ إِخْوانُكُمْ وَ أَزْواجُكُمْ وَ عَشيرَتُكُمْ وَ أَمْوالٌ اقْتَرَفْتُمُوها وَ تِجارَةٌ تَخْشَوْنَ كَسادَها وَ مَساكِنُ تَرْضَوْنَها أَحَبَّ إِلَيْكُمْ مِنَ اللَّهِ وَ رَسُولِهِ وَ جِهادٍ في‏ سَبيلِهِ فَتَرَبَّصُوا حَتَّى يَأْتِيَ اللَّهُ بِأَمْرِهِ وَ اللَّهُ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفاسِقين‏) .

– وفي الحقيقة ، الأحداث التفصيلية الكثيرة في واقعة الطف لكل فرد فرد من نجوم الواقعة مليئة بهذه التحديات والامتحانات للنفس البشرية ، وفي كلا المعسكرين .
– والظاهر أن هذه الامتحانات والتحديات للنفس هي الفتح والفتوح التي أنجزتها الواقعة العظمى للطفوف
– كما أن ملحمة أبي الفضل العباس ع تبين أحد العلاجات والحلول لهذه التحديات في عالم النفس الإنسانية ، وهو نفاذ البصيرة وصلابة الإيمان ، خصلتان عظيمتان في العباس ع .
– الملاحظ في توصيف الأئمة ع لأبي الفضل العباس ع أنهم أكدوا وركزوا على الأوصاف الروحية كنافذ البصيرة وصلب الإيمان والاستقامة والمبالغة في التضحية والفداء دون الأوصاف البدنية النفسانية كالفروسية أو القوة البدنية ونحو ذلك ، كما جاء في الزيارة (وَ أَشْهَدُ أَنَّكَ قَدْ بَالَغْتَ‏ فِي النَّصِيحَةِ وَ أَعْطَيْتَ غَايَةَ الْمَجْهُود ….. وأَشْهَدُ أَنَّكَ لَمْ‏ تَهِنْ‏ وَ لَمْ‏ تَنْكُلْ‏ وَ أَنَّكَ مَضَيْتَ عَلَى بَصِيرَةٍ مِنْ أَمْرِكَ- مُقْتَدِياً بِالصَّالِحِينَ وَ مُتَّبِعاً لِلنَّبِيِّين‏) .
– وقد ورد في زيارته – وَ أَنَّكَ مَضَيْتَ عَلَى بَصِيرَةٍ مِنْ أَمْرِكَ – وروى العامة عن الصادق ع – في وصفه-: نافذ البصيرة وصلب الإيمان ، مما ينبه على كون علو البصيرة من أعظم المقامات .
روى أبو عمر البخاري عن المفضل بن عمر ، أنه قال : قال الصادق عليه السلام : كان عمنا العباس بن علي نافذ البصيرة صلب‏ الإيمان‏ جاهد مع أبي عبد اللّه و أبلى بلاء حسنا ، و مضى شهيدا (سرّ السلسلة العلوية لأبي نصر البخاري: ٨٩ .، عمدة الطالب ص ٣٤٩). مقتل الحسين عليه السلام لأبي مخنف : ١٧٦.
– وقد يتساءل لماذا قدم النعت بنافذ البصيرة على صلابة الإيمان وتساؤل آخر لماذا قيدت البصيرة بكونها نافذة وهل تتنوع إلى النفوذ وعدمه ، مما ينبه على خطورة دور البصيرة في الإيمان نظير ما ورد عن النبي ص (المؤمن كيس فطن حذر) وهذه المحاور الثلاثة من المقومات الأساسية للبصيرة ، نظير قوله ص (المؤمن لا يلدغ من جحر مرتين) أن من اللوازم الذاتية للإيمان البصيرة والحذر واليقظة والفطنة والكياسة ، فإذا كانت البصيرة نافذة للمستور والمغيب المحجوب فلن يخدع بالحرب النفسية ولا بنزغات الشياطين
– ونزغ الشيطان الذي حذر منه الكتاب العزيز (إِمَّا يَنْزَغَنَّكَ مِنَ الشَّيْطانِ نَزْغٌ‏) ، النزغ : شبيه النخس و كأن الشيطان ينخس الإنسان أي يحركه و يبعثه على بعض المعاصي و لا يكون النزغ إلا في الشر «مجمع».
وَنَزْغٌ‏ ينخسنّك‏ – نخس الدابّة كنصر و جعل غرز مؤخرها أو جنبها بعود و نحوه أصل النخس الدّفع و الحركة – منه نخس في القلب يوسوسك على خلاف ما أمرت به كاعتراء غضب و النّزغ و النّسغ و النخس و الغرز بمعنى شبّه وسوسة الناس إغراء لهم على المعاصي و إزعاجاً بغرز السائق ما يسوقه .
فالغرائز الكامنة في النفس البشرية طاقات ووقود قابل للاشتعال بنيران تحريك الشيطان .
– وإذا قارنا ما ورد في جملة أخرى من الروايات عن سبب إخفاق المؤمنين في نصرة سيد الشهداء ع ، من فقدان البصيرة والانخداع بحيل العدو وإضلاله ، وأن تأخير النصر لأجل الضعف في العقل الأمني وتفوق العدو عليهم في ذلك كما في قوله تعالى : (أَلَمْ أَعْهَدْ إِلَيْكُمْ يا بَني‏ آدَمَ أَنْ لا تَعْبُدُوا الشَّيْطانَ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبينٌ (٦٠) وَ أَنِ اعْبُدُوني‏ هذا صِراطٌ مُسْتَقيمٌ (٦١) وَ لَقَدْ أَضَلَّ مِنْكُمْ جِبِلاًّ كَثيراً أَ فَلَمْ تَكُونُوا تَعْقِلُونَ) .

التصنيفات : بصائر عاشورية