بصائر عاشورية ٦
بصائر عاشورية (٦)
تتمة المنهج التأريخي لدى المتقدمين .
- قال المفيد في الجمل والنصرة ص ١٦٨ : ( و طريق الإنصاف فيما ذكرناه و النظر فيما وصفناه و التأمل لما أثبتناه من الأخبار فيه و شرحناه و الرجوع إلى أهل السير على اختلافهم في الآراء و المذاهب و إلى كتبهم المصنفة في الفتن تعرف ذلك منهما و من تدبر الأمر يجده على ما وصفناه و الله سبحانه و تعالى ولي التوفيق) .
[١٢] تمييزه في كتب السير والآثار بين كتب الفتن وغيرها من قبيل كتب الفتوح وكتب المغازي وأن هذه الكتب على تنوع وأصناف .
– وقال في الإفصاح في الإمامة ص ١٠٩ : ( (فصل) ثم يقال لهم أ ليس الوجه الذي منع الله تعالى المخلفين من اتباع النبي ص فيه الوصول إلى الغنائم منه بالخروج معه هو فتح خيبر الذي بشر الله تعالى به أهل بيعة الرضوان على ما اتفق عليه أهل التفسير و تواتر به أهل السير و الآثار فلا بد من أن يقولوا بلى و إلا سقط الكلام معهم فيما يتعلق بتأويل القرآن و يرجع فيه إلى علماء التفسير و رواة الأخبار إذ ما وصفناه إجماع ممن سميناه.) .
[١٣] وههنا یقرر أن تأويل القرآن موقوف على كل من كتب الحديث والأخبار وكتب السير والآثار وأنه بدون هذين النوعين من الكتب لا يمكن الوقوف على تأويل وتفسير القرآن في الآيات التي استعرضها مما ترتبط بأحداث تأريخية للدين وسيرة للنبي ص ، وهذا مبحث خطير في مصادر المعرفة الدينية ودور حساس لكتب السير والآثار والتأريخ ، وأن القفز على الرجوع إليها ضياع وتضييع لحقائق في الدين والقرآن والحديث .
– قال المفيد في كتابه الإفصاح في الإمامة ص ١١٢ : (الآية و ما قبلها من قوله تعالى نزلت في غزوة تبوك بإجماع علماء الأمة و لتفصيل ما قبلها من التأويل قصص طويلة قد ذكرها المفسرون و سطرها مصنفو السير و المحدثون .
و لا خلاف أن الآيات التي نزلت في سورة الفتح نزلت في المخلفين عن الحديبية و بين هاتين الغزوتين من تفاوت الزمان ما لا يختلف فيه اثنان من أهل العلم و بين الفريقين أيضا في النعت و الصفات اختلاف في ظاهر القرآن .
فكيف يكون ما نزل بتبوك و هي سنة تسع من الهجرة متقدما على النازل في عام الحديبية و هي سنة ست لو لا أنك في حيرة تصدك عن الرشاد .
ثم يقال له فهب أن جهلك بالأخبار و قلة معرفتك بالسير و الآثار سهل عليك القول في تأويل القرآن بما قضى على بطلانه التأريخ المتفق عليه بواضح البيان أما سمعت الله جل اسمه يقول في المخلفين من الأعراب سَتُدْعَوْنَ إِلى قَوْمٍ أُولِي بَأْسٍ شَدِيدٍ تُقاتِلُونَهُمْ أَوْ يُسْلِمُونَ فَإِنْ تُطِيعُوا يُؤْتِكُمُ اللَّهُ أَجْراً حَسَناً وَ إِنْ تَتَوَلَّوْا كَما تَوَلَّيْتُمْ مِنْ قَبْلُ يُعَذِّبْكُمْ عَذاباً أَلِيما)) .
[١٤] فیقرر بأن معرفة السيرة النبوية ومعرفة جملة من علوم القرآن كتحديد الناسخ والمنسوخ ومفاد الآيات وأسباب نزولها مرهون بكتب السير والآثار من كتب التأريخ جنبا الى جنب كتب الحديث والأخبار ، ولا يستغنى بأحدهما عن الآخر .
– وقال أبو الصلاح الحلبي في تقريب المعارف ص ٢٠٥- ٢٠٩ : ( و أما النص المعلوم مراده منه ص بالاستدلال فخبرا تبوك و الغدير و طريق العلم بهما كبدر و أحد و حنين و غزوة تبوك و حجة الوداع و صفين و الجمل لأن كل ناقل لغزوة تبوك ناقل لقوله ص لعلي ع
(أَنْتَ مِنِّي بِمَنْزِلَةِ هَارُونَ مِنْ مُوسَى إِلَّا أَنَّهُ لَا نَبِيَّ بَعْدِي) و كل من نقل حجة الوداع نقل نزول النبي ص بغدير خم و جمع الناس به و قيامه فيهم خطيبا و تقريره الأمة على فرض طاعته و قوله بعد الإقرار منهم، (مَنْ كُنْتُ مَوْلَاهُ فَعَلِيٌّ مَوْلَاهُ) .
كما أن كل من روى بدرا روى مبارزة علي و حمزة و أبي عبيدة لشيبة و عتبة و الوليد و قتل الثلاثة و كل من روى أحدا روى قتل وحشي حمزة بن عبد المطلب ع و كل من روى الجمل روى قتل طلحة و الزبير و عقر الجمل و هزيمة أنصاره و كل من روى صفين نقل قتل عمار بن ياسر رضي الله عنه [و] ذي الكلاع الحميري لعنه الله و رفع المصاحف و حصول العلم بهذا التفصيل لكل مخالط متأمل للسير و الآثار كالجمل و إذا كان العلم بخبري تبوك و الغدير جاريا مجرى ما ذكرناه من الوقائع المعلومة على وجه يقبح الخلاف فيه لم يحتج إلى استدلال على إثباتهما كما لم يحتج إليه في شيء من الوقائع و ما ذكرناه من تفصيل الحادث فيها.) .
قوله : (و حصول العلم بهذا التفصيل لكل مخالط متأمل للسير و الآثار كالجمل و إذا كان العلم بخبري تبوك و الغدير جاريا مجرى ما ذكرناه من الوقائع المعلومة على وجه يقبح الخلاف فيه لم يحتج إلى استدلال على إثباتهما كما لم يحتج إليه في شيء من الوقائع) .
[١٥] فیقرر أن الحصول التكويني للعلم بالوقائع والأحداث من كتب السير والآثار لا يتوقف على سلسلة وصول الطرق والرواة لنا فضلا عن إعتبارها ، بل تتوقف إما على التراكم الكمي أو القرائن والشرائط الكيفية في الكتب والمصادر .
