فتح عاشوري ٤
[فتح عاشوري ] (٤)
رباطة جأش النفس المطمئنة
١- دعاء علقمة رمز لمنظومة كاملة لفلسفة نهضة عاشوراء وأهدافها .
٢- يبدأ الدعاء ببيان فلسفة عظمة الباري أمام الكربات والشدائد وظلم الظالمين لكي لا يوهن المؤمن ولا يضعف ، فإن صلابة الإيمان ناشئة من المعرفة بعظم صفاته تعالى وأنه لا ند له ولا كفؤ ولا يفلت منه أحد .
٣- وأنه تعالى بالمنظر الأعلى في السيطرة على الأمور ، وبالأفق المبين فلا تخفى عليه جرائم الطغاة .
٤- وأنه تعالى لا يفوته شيء وأنه جامع كل شمل مهما بدده الظالمون وأنه الكافي في كل السماوات والأرض وكل هذه الأمور تقوّم استقامة المؤمن وصلابته على الطريق مهما اشتدت البلايا عليه من العتاة الأشرار .
٥- والحاجة إلى بناء الصلابة في الإيمان مما يلزم المجاهدين في سبيل الحق ، كما هي الحاجة إلى بناء البصيرة النافذة لئلا يصيب المجاهد الفتور والاستكانة لالتباس فتن وخداع العدو وهذا ما جاء في قدوية مولانا أبي الفضل العباس ( صلب الإيمان نافذ البصيرة) .
٦- فإن الملاحظ تعرض المجاهدين إلى آفات قد تقعدهم عن جهاد العدو وعن النشاط الجهادي أو يفترون إما بسبب قوة العدو وشراسته أو بسبب طول المدة أو بسبب التباس الفتن الفكرية وقلة البصيرة أو غيرها .
٧- وقد أشار إليها قوله تعالى :
(وَكَأَيِّن مِّن نَّبِيٍّ قَاتَلَ مَعَهُ رِبِّيُّونَ كَثِيرٌ فَمَا وَهَنُوا لِمَا أَصَابَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَمَا ضَعُفُوا وَمَا اسْتَكَانُوا وَاللَّهُ يُحِبُّ الصَّابِرِينَ)
وروي عنه ص فقال قائل: يا رسول الله، وما الوَهْن؟ قال: حبُّ الدُّنيا، وكراهية الموت) وفي الحديث إشارة إلى كون الوهن خور العزم نفسيا، وحب الدنيا وكراهية الموت عوارض تنتاب المجاهدين ، فضلا عن الضعف المادي أو المعنوي لأسباب شتى ، أو الفتور لأسباب عديدة .
٨- فهذا الدعاء الشريف المرتبط بزيارة عاشوراء يتضمن أدوية للمجاهدين يتزودون بها عن طروء الآفات عليهم .
٩- وأن هذه الأدوية الروحية والفكرية والقلبية لا بد من التسلح بها فإن طبيعة بعض قوى الإنسان تخور وتخوي وتنهار أمام الشدائد .
١٠- بل قد يبلغ الضعف والخوار بالمؤمن والعياذ بالله إلى الانقلاب عن جادة الهدى والحق إلى سبيل الباطل واعتناقه كمبدأ حق وتسول النفس الضعيفة ذلك روما للحصول على الوداعة والراحة والأمن المؤقت ، فتراه ينظر لحقانية الباطل وسداد الزيغ وإبطال الحق وأهله ، فتتبدل لديه القناعات وتتعامى بصيرته عن إبصار الحقيقة والواقعية ، وكثيرا ما ينتاب أتباع الحق ذلك .
١١- وذلك لأن الإنسان مركب من قوى متنوعة وأرواح عديدة وطبيعة بعض قوى الإنسان وأرواحه ميالة للقوي وهذا وإن كان طبيعة جبلية في الإنسان ، إلا أن تعامي بصيرة وإبصار الإنسان عن معرفة القوي الحقيقي المطلق العنان قدرة هو الذي يزيغ بالإنسان عن بارئه تعالى إلى المخلوق المعار له بعض القوة فتنة .
١٢- ولكل مؤمن درجة من التحمل بحسب تزوده من هذه العقاقير الروحية القلبية الفكرية المذكورة في دعاء علقمة .
١٣- أما رباطة جأش الحسين ع فقد قال عبد الله بن عمارة بن عبد يغوث : ((فوالله ما رأيت مكثورا قط قد قتل ولده وأهل بيته وجميع أصحابه حوله أربط جأشا ولا أمضى جنبا منه ، وأحاطت الكتائب به، فوالله لكان يشد عليهم، فينكشفون عنه انكشاف المعز إذا شد عليها الأسد)) .
١٤- فملك جأشه ولم يملكه غضب لشدة استفزاز العدو ، ولم يملكه خوف لاضطراب التدبير لديه ولا رهبة لكثرة العدو ولم يملكه ضعف ولا وهن بعد خذلان الأمة وعدم الناصر رغم أن كل ذلك وكلما وقع حوله يخور معه العزم .
١٥ – و رباطة الجأش طابع الاطمئنان للنفس ، وهو مقام فوق صلابة الإيمان ونفوذ البصيرة .
١٦- ومن ثم أشير إلى أن الحسين ع مورد نزول قوله تعالى : ( يا أيتها النفس المطمئنة ارجعي إلى ربك راضية مرضية فادخلي في عبادي وادخلي جنتي) .
