فتح عاشوري (٦)

أغسطس 15, 2022
190

[فتح عاشوري] (٦)

واقعة عاشوراء بين قضاء القدر وفلسفة الامتحان
(وجه رابع)

السؤال .

ما معنى ما ورد في زيارة عاشوراء (اللَّهُمَّ لَكَ الْحَمْدُ حَمْدَ الشَّاكِرِينَ‏ عَلَى مُصَابِهِمْ‏ الْحَمْدُ لِلَّهِ عَلَى عَظِيمِ مُصَابِي وَ رَزِيَّتِي فِيهِم‏) ؟ .

الجواب .

١- قد فسر معنى الحمد على المصاب في زيارة عاشوراء غير المشهورة التي رواها في المزار القديم ، (( اللهُمَّ لَكَ الحَمدُ عَلى جَمِيعِ ما نابَ مِن خَطبٍ وَلَكَ الحَمدُ عَلى كُلِّ أمرٍ وَإلَيكَ المُشتَكى في عَظِيمِ المُهِمَّاتِ بِخِيرَتِكَ وَأوليائِكَ وَذلِكَ لِما أوجَبتَ لَهُم مِنَ الكَرامَةِ وَالفَضلِ الكَثِيرِ،)) بأنه لأجل حصول الكرامة لهم من الله تعالى ، كما جاء في الأثر أن كرامتهم من الله الشهادة ، وأن الشهادة إكرام منه تعالى لهم .

٢- كما في جواب العقيلة ع (ما رأيت إلا جميلا هَؤُلَاءِ قَوْمٌ‏ كَتَبَ‏ اللَّهُ‏ عَلَيْهِمُ الْقَتْلَ‏ فَبَرَزُوا إِلى‏ مَضاجِعِهِمْ‏ وَ سَيَجْمَعُ اللَّهُ بَيْنَكَ وَ بَيْنَهُمْ فَتُحَاجُّ وَ تُخَاصَمُ فَانْظُرْ لِمَنْ يَكُونُ الْفَلْجُ يَوْمَئِذٍ هَبَلَتْكَ أُمُّكَ يَا ابْنَ مَرْجَانَةَ.) .

٣- فافترق الحدث الواحد في صفحتيه الوجوديتين فمن جهة قضاء الله وقدره فهو إن الله بالغ أمره قد جعل الله لكل شيء قدرا ، ومن جهة فعل المخلوق يندرج في سلسلة الشرور ، فهذه قاعدة مهمة في البصيرة تجاه الأحداث .

٤- وإذا كان الحدث الواحد ذا صفحتين وجوديتين، ولا محالة تكون الصفحة الوجودية ، المرتبطة بالتقدير والقضاء والتخطيط الإلهي لا محالة هي الصفحة الوجودية المحمودة، غير المدعاة لليأس والإياس والتثبيط والحبط النفسي ، بل هي مدعاة للنشاط والحيوية والاندفاع ، ومن ثم نستبين فلسفة المثابرة البالغة أقصاها في التدبير وإدارة التفاصيل لقبل وفي واقعة الطف عند الحسين ع وما بعدها من أهل بيته ع .

٥- وهذا الوجه يعد رابع الوجوه للإجابة عن السؤال المستعرض حول التعجب من شأن الحسين ع وشؤونه ، حيث يلاحظ أن نهضته وتدبيره ومواجهته للعدو ليس من موقع من كتبت عليه الشهادة المحتومة العالم بها ، بل من موقع من يريد صنع الحدث بعالي همته وحكمة تدبيره، ونفاذ فطنته، فلا ترى أفعاله تنطلق من جبر القضاء والقدر في حين يكرر القول بأن الشأن ليس مفوضا بل محتوما ، ولكنه أمر بين أمرين ، فتتفجر حيوية الاختيار والامتحان بينهما ، وقد تعرضنا في كتابنا (التوحيد في المشهد الحسيني) إلى ثلاثة وجوه أخرى .

٦- وإلى الجانب الإلهي من الحدث ما يشير إليه الحديث المشهور (فَلَأُخْبِرَنَّكَ بِخَبَرٍ كَانَ عِنْدِي فِي النُّخَبِ [الْبَحْرِ] الْمَخْزُونِ- فَإِنَّهُ لَمَّا أَصَابَنَا بِالطَّفِّ مَا أَصَابَنَا وَ قُتِلَ أَبِي ع وَ قُتِلَ مَنْ كَانَ مَعَهُ- مِنْ وُلْدِهِ وَ إِخْوَتِهِ وَ سَائِرِ أَهْلِهِ وَ حُمِلَتْ حَرَمُهُ وَ نِسَاؤُهُ عَلَى الْأَقْتَابِ يُرَادُ بِنَا الْكُوفَةُ فَجَعَلْتُ أَنْظُرُ إِلَيْهِمْ صَرْعَى وَ لَمْ يوُارَوْا فَعَظُمَ ذَلِكَ فِي صَدْرِي وَ اشْتَدَّ لِمَا أَرَى مِنْهُمْ قَلَقِي فَكَادَتْ نَفْسِي تَخْرُجُ وَ تَبَيَّنَتْ ذَلِكَ مِنِّي عَمَّتِي زَيْنَبُ الْكُبْرَى بِنْتُ عَلِيٍّ ع فَقَالَتْ مَا لِي أَرَاكَ تَجُودُ بِنَفْسِكَ‏ يَا بَقِيَّةَ جَدِّي وَ أَبِي وَ إِخْوَتِي فَقُلْتُ وَ كَيْفَ لَا أَجْزَعُ وَ أَهْلَعُ وَ قَدْ أَرَى سَيِّدِي وَ إِخْوَتِي وَ عُمُومَتِي وَ وُلْدَ عَمِّي وَ أَهْلِي مُصْرَعِينَ بِدِمَائِهِمْ مُرَمَّلِينَ بِالْعَرَاءِ مُسَلَّبِينَ لَا يُكَفَّنُونَ وَ لَا يُوَارَوْنَ وَ لَا يُعَرِّجُ عَلَيْهِمْ أَحَدٌ وَ لَا يَقْرَبُهُمْ بَشَرٌ كَأَنَّهُمْ أَهْلُ بَيْتٍ مِنَ الدَّيْلَمِ وَ الْخَزَرِ فَقَالَتْ لَا يُجْزِعَنَّكَ مَا تَرَى فَوَ اللَّهِ إِنَّ ذَلِكَ لَعَهْدٌ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ ص‏ إِلَى جَدِّكَ وَ أَبِيكَ وَ عَمِّكَ وَ لَقَدْ أَخَذَ اللَّهُ الميثاق [مِيثَاقَ‏] أُنَاسٍ مِنْ هَذِهِ الْأُمَّةِ لَا تَعْرِفُهُمْ فَرَاعِنَةُ هَذِهِ الْأُمَّةِ وَ هُمْ مَعْرُوفُونَ فِي أَهْلِ السَّمَاوَاتِ أَنَّهُمْ يَجْمَعُونَ هَذِهِ الْأَعْضَاءَ الْمُتَفَرِّقَةَ فَيُوَارُونَهَا وَ هَذِهِ الْجُسُومَ الْمُضَرَّجَةَ وَ يَنْصِبُونَ لِهَذَا الطَّفِّ عَلَماً لِقَبْرِ أَبِيكَ سَيِّدِ الشُّهَدَاءِ لَا يَدْرُسُ أَثَرُهُ وَ لَا يَعْفُو رَسْمُهُ عَلَى كُرُورِ اللَّيَالِي وَ الْأَيَّامِ وَ لَيَجْتَهِدَنَّ أَئِمَّةُ الْكُفْرِ وَ أَشْيَاعُ الضَّلَالَةِ فِي مَحْوِهِ وَ تَطْمِيسِهِ فَلَا يَزْدَادُ أَثَرُهُ إِلَّا ظُهُوراً وَ أَمْرُهُ إِلَّا عُلُوّاً فَقُلْتُ وَ مَا هَذَا الْعَهْدُ وَ مَا هَذَا الْخَبَرُ فَقَالَتْ نَعَمْ حَدَّثَتْنِي أُمُّ أَيْمَنَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ص زَارَ مَنْزِلَ فَاطِمَةَ ع فِي يَوْمٍ مِنَ الْأَيَّام‏ ….)

وكذلك الحديث الآخر (لَمَّا قَدِمَ عَلِيُّ بْنُ الْحُسَيْنِ (عَلَيْهِمَا السَّلَامُ) وَ قَدْ قُتِلَ الْحُسَيْنُ بْنُ عَلِيٍّ (صَلَوَاتُ اللَّهِ عَلَيْهِمَا) اسْتَقْبَلَهُ إِبْرَاهِيمُ بْنُ طَلْحَةَ بْنِ عُبَيْدِ اللَّهِ، وَ قَالَ: يَا عَلِيَّ بْنَ الْحُسَيْنِ، مَنْ‏ غَلَبَ‏ وَ هُوَ مُغَطًّى رَأْسُهُ، وَ هُوَ فِي الْمَحْمِلِ. قَالَ: فَقَالَ لَهُ عَلِيُّ بْنُ الْحُسَيْنِ: إِذَا أَرَدْتَ أَنْ تَعْلَمَ مَنْ‏ غَلَبَ‏، وَ دَخَلَ وَقْتُ الصَّلَاةِ، فَأَذِّنْ ثُمَّ أَقِمْ.)
مما یشیر إلى النتائج العظيمة في تشييد الدين في الحدث من الجهة الإلهية فيه .

التصنيفات : فتح عاشوراي