بصائر عاشورية ٣

يوليو 30, 2023
197

بصائر عاشورية (٣)

 

المنهج التأريخي لآغا بزرك ورعاية الحقائق الدينية عن الضياع والإضاعة

 

– الاستبعادات العقلية والاجتهادات الظنية

والاستحسانات غير محكمة في القضايا التأريخية .

 

قوله (إذ العقل والاجتهاد والرأي والاستبعاد معزولات في استنباط القضايا التأريخية ، والحکم بالوقوع واللاوقوع ليس إلا من وظائف تلك الکتب ، فترك الرجوع إليها ظلم عليها وعلينا بتضيیع حق حکومتها وتفويت ما نستفيده منها (انتهى) .

 

وما أفاده ضابطة منهجية مهمة في تحري القضايا التاريخية :

١- وهي الاعتماد على الكتب والمصادر ، لا الاستحسانات والاستبعادات الظنية التي غالبا ما يعول عليها أكثر المنكرين لعدة من الوقائع التاريخية .

٢- إذ الحقائق والوقائع التأريخية لا يحاط بكل ملابساتها بتوسط الظنون والاستحسانات والاستبعادات كي يحكم وقوعها من لا وقوعها بتوسطها .

٣- بل كما حقق أن التأريخ حضارة وتحريها والتثبت منها يتوقف على علوم كثيرة ، لا مجرد آراء وهمية من منبع الميول والأهواء .

 

– الأخبار الضعيفة وتولد التواتر منها بل الضرورة

قال : وتلك الأخبار وإن كانت مضطربة من جهات ، و كل واحدٍ منها مخالف مع غيره في الخصوصيات ، ولا يتجاوز بالنسبة الى خصوصياته عن حد أخبار الآحاد ، ولا تثبت واحدة من تلك الخصوصيات ، ولا يترتب عليها أثر ابداً ، لكن يرى كل واحد منها مشاركاً مع غيره في الدلالة مطابقة أو التزاماً على وقوع … شيء ……. ، فهذا المضمون الذي يدل عليه كل واحد من تلك الاخبار البالغة حدّ التواتر يكون متواتراً معنوياً ، فيثبت به … الشيء المنقوص المجهول عينه لنا ، كما ثبت قرآنية ما بين الدفتين بتواتره .

ومن هذا التواتر المعنوي يحصل العلم الضروري لكل من خلت ذهنه عن اعتقاد خلافه ، ولو لم يجد من تلك الاخبار ما بلغ حد التواتر فلا محالة يجد فيها من الأخبار المعتبرة عدة يقطع بصدور واحد منها لا بعينها عن المعصوم (ع) فيصير المضمون الأخص الذي هو مشترك فيه من مداليل تلك العدة مقطوعاً صدوره عن المعصوم (ع) فيقطع بصدور الأخبار))

وبيان كلامه ومنهجه في جهات : الأولى : إن مناط ومدار حصول العلم وآليته يغاير مناط الاعتبار القانوني الظني للخبر الواحد الآحاد وآليته ، كتغاير حجية القطع والعلم مع حجية الظن الاعتباري ، والحجية الأولى تكوينية والحجية الثانية اعتبارية قانونية ، وهذا ما يخلط بينهما كثير من الباحثين ، فإن مدار الحصول التكويني للعلم أو الاطمئنان هو إما الأول : للتراكم الكمي والكيفي للقرائن والشواهد وهذا التراكم يتأثر من الطابع التكويني للقرينة والشاهد تعدادا وكيفا لا اللون الاعتباري لهما ، ولا محالة الحيثية الكمية تعداد منوط بعدد خارجي تكويني للقرائن والشواهد ، كما أن الحيثية الكيفية منوطة بدرجة الكشف للقرينة الواحدة في نفسها وللشاهد الواحد وهذا الكشف ودرجته أمران تكوينيان ذاتيان للقرينة والشاهد غير مرتبطين بوجود الاعتبار لهما من عدمه ، كما أن التراكم طابع تكويني يتصاعد ويتنامى ويرتفع بحسب العامل الكمي والعامل الكيفي .

والمدار الثاني : للحصول التكويني للعلم والاطمئنان : هو امتناع تواطؤ وتوافق الناقلين – في المصادر – على الكذب إما لتباعدهم وامتناع تلاقيهم أو امتناع نقل أحدهم عن الآخر وامتناع الصدفة في التوافق والتطابق بينهم أو للقطع بعدم وجود الداعي على الكذب .

الجهة الثانية : لا يخفى أن في كلا المدارين والمناطين قد يتصاعد العامل الكيفي قوة فتقل الحاجة للعامل الكمي فيحصل العلم ولو من أخبار قليلة عددا لا تبلغ حد التواتر الكمي كما أشار إليه المحقق آغا بزرك في قوله السابق ( بل قد يحصل العلم بالجامع أيضاً في عدة أخبار قليلةٍ جداً غير بالغةٍ حد التواتر ولا قربه مع اختلافها في الخصوصيات إذا عُلِم إجمالا بصدور واحد غير معين من تلك الأخبار عن الإمام المعصوم (ع))

الجهة الثالثة : نعم هذان المناطان للحصول التكويني للعلم والاطمئنان مرهونان بآليتين هامتين : الأولى : هي التتبع الفحصي البالغ ، والثانية : التدبر والتأمل الثاقب الفطن .

الجهة الرابعة : إن هذين المدارين والمناطين للحصول التكويني للعلم أو التواتر قد يتصاعدان قوة وكيفا إلى درجة حصول الضرورة وهي أعلى درجات العلم فوق التواتر ، وهذه حقيقة علمية ودينية خطيرة يشير إليها المحقق آغا بزرك وأن الغفلة عنها أو الاستهانة بها وعدم الاكتراث بالكتب المعتمدة أو غيرها للسير والتاريخ تضييع وإضاعة للحقيقة الدينية ، وتلاعب وطمس لحقائق دينية وحيانية لا يجحد بها ولا يمرق عنها ، وقد أشرنا أن هذا المنهج للآغا بزرك الطهراني هو منهج جلّ المتقدمين من أعلام الإمامية كالمفيد والمرتضى والطوسي والكليني والصدوق والطبرسي وغيرهم بل هو منهج أعلام الفريقين .

الجهة الخامسة : إن في بعض الحالات والصور للمواد التي يقف عليها الباحث في كتب التأريخ والسير قد لا يتصاعد التراكم و الامتناع إلى درجة التفصيل في المعلومات ولا يكون هناك مفاد مشترك بين الأخبار المختلفة في التفاصيل لكن يبقى عامل الحصول التكويني للعلم أو الاطمئنان موجودا مؤثرا مولدا للعلم الإجمالي بصدور أحدها وإن لم يكن بمنزلة التواتر المعنوي ، وهذا العلم الإجمالي بصدور أحدها ملزم للباحث بمراعاته في التأريخ والعلوم الدينية .

 

الجهة السادسة : إن اللازم على الباحث في كتب التأريخ والسير التركيز على جهات الاشتراك في مفاد الأخبار وإن كانت في المفاد الموجود في الدلالة الالتزامية البعيدة لا القريبة فضلا عن المطابقية الصريحة بل قد لا يلتفت إلى مفاد مشترك ولو بعيد لكنه يجد ما يدلل على قطعية صدور أحد تلك الأخبار والآثار رغم ضعف طريق كل منها .

 

الجهة السابعة : إن التباس ذهن الباحث وتشوشه بالآراء المتضاربة المتناقضة وإن أثر إيجابا في كيفية التدقيق والتحقيق إلا أنه من ناحية أخرى يؤثر سلبا في تشخيص الباحث والتفاته لدرجة قوة القرينة والشاهد ، نظير قول المحقق الميرزا القمي إن المجتهد نتيجة ارتطامه بكثرة الأقوال يشكك في سلامة تبادر ذهنه للمعاني اللغوية ، ومن ثم اشترط البعض في الاستظهار من الآيات والروايات رجوع المجتهد أولا إلى الروايات خالي الذهن من سجالات الأقوال والردود ثم بعد ذلك الإطلاع على السجالات بين الأقوال والوجوه ، وذهب بعض إلى كلا الاستظهارين ومقارنتهما ، وعلى أي تقدير فإن خلو الذهن من تشويش المشاكسات الجدلية العنادية مؤثر في الوصول والوقوف على الحقيقة المجردة لطبيعة القرائن والشواهد ، ومدى معدل النتيجة التراكمية لانضمامها إلى بعضها البعض . وهذا ما يشير إليه المحقق من أن خلو ذهن الباحث يوصله إلى العلم الضروري قال : ومن هذا التواتر المعنوي يحصل العلم الضروري لكل من خلت ذهنه عن اعتقاد خلافه ، ولو لم يجد من تلك الأخبار ما بلغ حد التواتر فلا محالة يجد فيها من الأخبار المعتبرة عدة يقطع بصدور واحد منها لا بعينها عن المعصوم (ع)) .

التصنيفات : بصائر عاشورية