بصائر عاشورية ٨

أغسطس 6, 2023
307

بصائر عاشورية [٨]

 

تتمة المنهج التأریخي للمتقدمين

 

قال أبو الصلاح الحلبي فی تقریب المعارف ص ٢٠٥- ٢٠٩ : (و ليس لأحد أن يقول فإذا كان العلم بخبري تبوك و الغدير عاما فلم فزع أكثر سلفكم إلى إيراد الأسانيد بهما و إثبات طريق النقل لهما و أي حاجة فيما عم العلم به كبدر و حنين إلى ترتيب نقل .

لأن العلماء من سلفنا و خلفنا رضي الله عنهم لم يعولوا في إثبات ذينك الخبرين إلا على ما ذكرناه و إنما نبهوا في الاستدلال على الطريق و صفة التواتر تأكيدا للحجة و تنبيها للمعرض على الطريق التي يعم العلم بتأملها و جروا في ذلك مجرى من يسأل بيان العلم بصفة حجة النبي ص هل هي قران أو إفراد أو تمتع و أعيان المخلفين عن غزوة تبوك و هل كانت ذات حرب أم لا و بقتل حمزة بن عبد المطلب رضي الله عنه يوم أحد دون غيره و بقتل عتبة و شيبة و الوليد ببدر في فزعه إلى الإشارة إلى كتب أصحاب السيرة و طرق الناقلين لذلك لا يجد مندوحة عنه إذ هو الطريق الذي منه لحق التفصيل بالجمل في عموم العلم و لذلك يجد كل من لم يخالط العلماء و يسمع‏ الأخبار و يتأمل الآثار من العوام و أهل السواد و الأعراب و أشباههم لا يعلم شيئا من ذلك و لا يكون التنبيه لهم‏

‏ على طريق العلم بما نقله الرواة و أصحاب السير من تفاصيل ما جرى قادحا في عموم العلم بها لكل متأمل للآثار كذلك حال المنبه من شيوخنا رضي الله عنهم على طرق الناقلين و المشير إلى صفات المتواترين بخبري تبوك و الغدير للمعرض عن سماع ذلك ليس بقادح فيما بيناه من عموم العلم بهما للمتأملين .

على أن بإيراد ما نقله أصحاب الحديث من الخاصة و العامة حصل للسامع العلم بهما كما ينقل الرواة للمغازي حصل العلم بها لكل سامع و كيف يكون التنبيه على طريق عموم العلم بالمنقول قادحا فيه لو لا الغفلة .

و إذا كانت الحجة ثابتة بهما على الوجه الذي ذكرناه تعين فرض النظر فيهما ليعلم المراد بهما و متى فعل هذا الواجب دل فاعله على كون كل منهما دالا على إمامة أمير المؤمنين ع من وجوه) .

 

[٢١] یکرر التأكيد على أن الحصول التكويني للعلم من كتب السير والآثار هو من تراكم القرائن والشواهد كما وكيفا ، وليس منحصرا بوصول الطرق والأسانيد فضلا عن اعتبارها . ‏

– وقال فخار بن معد الموسوي في كتابه إيمان أبي طالب ص ٣٦١ : ( مثل أبي طالب كمثل أصحاب الكهف : و مثل ذلك في القرآن المجيد و السير و الآثار كثير لا يبلغ أمده و لا يحصى عدده كصنيع أصحاب الكهف و كتمانهم إيمانهم مع‏ قومهم حتى تمكنوا من مطلوبهم و قصتهم مشهورة و حالهم معلومة و قد روي عن الأئمة من آل محمد ص و مواليهم أن حال أبي طالب كحال أصحاب الكهف و مؤمن آل فرعون .) .

 

[٢٢] ضم إلی الاستدلال بالقرآن المجيد كتب السير والآثار .

 

السیرة العلمیة لمنهجیة الفقهاء مع کتب السیر والآثار .

 

نماذج :

 

١- سيرة النبي تجعل قرينة حالية لتفسير الأحاديث النبوية بل تجعل قرينة على تنزيل الآيات كأسباب النزول أحد الأسباب المهمة في تفسير الآيات والتفسير من مصادر التشريع وهذا بعد مهم لخطورة رصد السيرة النبوية من كتب السير والآثار التأريخية .

 

٢- فالسیرة النبوية وسيرة أهل البيت ع لا ينظر إليها كمادة تأريخية بحتة ومحضة بل هي مصدر للمعرفة الدينية ومصدر للتشريع ومصدر للوحي ، وإذا كانت بهذه الخطورة فلا بد من شد السواعد الكبيرة والكثيرة لمزيد من التنقيب ومزيد من الفحص لا المزيد للإنكار ولا المزيد من التسارع للإثبات بل الشعار الكبير للمنهج العلمي هو المزيد من الفحص والتمحيص والتنقيب بلا كلل ولا ملل ولا إلى حد يتوقف فيه البحث ، والنتائج في الأثناء تظل مرهونة لمزيد من الفحص والبحث لا بمعنى التوقف عن الاستنتاج ليكون المنهج سفسطيا تشكيكيا بل الاستنتاج مستمر مع حركة الفحص والتنقيب والبحث بحسب ما يجتمع من مواد وقصاصات لكن لا على أن يكون الاستنتاج باتا غير قابل للمراجعة والتمحيص والتنقيح بل أمر بين أمرين ، والفحص العلمي لا يعرف أمدا ولا حدا .

 

٣- لا بد من الالتفات إلى أن السيرة النبوية وسيرة أهل البيت ع مادامت وحيانية ومصدرا للمعرفة الدينية فلا محالة لا يمكن قراءتها إلا بضوابط وحيانية لا بانطباعات بشرية اعتيادية بل لا بد من رعاية موازين الوحي في قراءة سيرة النبي ص والمعصومين ع وإن كان ذلك لا يعني إغفال آليات المواد التأريخية ، وذلك لأن النبي ص وإن كان بشرا يأكل ويمشي في الأسواق إلا أن فيه البعد النبوي الوحياني وهي صفة مغايرة للصفة البشرية العادية وهذا طابع آخر لسيد الأنبياء وهو الوحي والرسالة فعميد النبوة هو نبي الأنبياء و سيد الأنبياء أمين الله المعتمد من قبله عز وجل في منتدى ونادي الأنبياء بشهادة النصوص القرآنية الكثيرة .

 

٤- ووصفه ص بيوحى – جملة فعلية بصيغة المضارع – تدل على الاستمرار الآن في كل العوالم لا ينقطع عنه الوحي أصلا ذاتيا في جوهر سيد الأنبياء يختلف عن موسى وعيسى وإبراهيم ونوح فبالنسبة إليهم يقال أوحي ، و هذا الطابع الوحياني الغيبي لسيد الأنبياء ليس في متناول البشر ولا يمكن أن يضبطه ولا يرصده ولا يحيط به ، لذلك تواتر الحديث القدسي لدى المسلمين في سبب نزول سورة البراءة على سيد الأنبياء أنه هل يبلغها عنه ص أبو بكر حاشا ثم حاشا أن يبلغ عنه أبو بكر ، فمن الذي يبلغها عنه ، وهذا لا يختص بسورة البراءة بل يعم كل الوحي ومنه بحث السيرة (لا يبلغ عنك بلاغا وحيانيا لا خطأ ولا نقص فيه إلا أنت أو رجل منك) فلا قدرة على الفهم والضبط الوحياني للنبي أقوالا ولا أفعالا ولا تقريرا (سيرة) ، لأن النبي ص طبقات ومن ذا الذي يستطيع فهمه بكله ، فورد القول القدسي منه تعالى لا يبلغ عنك شؤونك الوحيانية إلا أنت أو رجل منك) لا يبلغ عن الجانب الغيبي الوحياني لقلب النبي إلا فمه الشريف أو علي بن أبي طالب أو فاطمة أو الحسن والحسين الذين ورد فيهم النص عند المسلمين (علي مني وأنا من علي ، فاطمة مني وأنا من فاطمة ، حسن مني وأنا من حسن ، حسين مني وأنا من حسين) فهم الذين يبلغون وحيانيا عن النبي ، هؤلاء يتلقون عن كل طبقات النبي ص الغيبية والمشهودة ولا ينحصر تلقيهم عن البدن الشريف للنبي فهؤلاء (عليهم السلام) يفترقون عن بقية الصحابة وعن البشر الذين ينحصر مصدر تلقيهم عن النبي بالفم الشريف لسيد الأنبياء وبدنه بل يتلقون عن الطبقة العليا للنبي وكل طبقاته الوسطى ، ومن ذلك يفسر الحديث النبوي الشريف عند الفريقين (أنا مدينة العلم وعلي بابها ) لا الصحابة بابها ولا أبا بكر ولا عمر بابها ولا عثمان بابها بل حصرا عليا بابها .

كثير من رواد الفكر الإسلامي يشكل عنده تفسير الحديث وسبب تخصيص هذا المقام بعلي بن أبي طالب ، وهذا حديث متواتر لا يمكنهم إنكاره ، والسبب في ذلك أن الوحي النبوي ليس مشاهدة مرئية كأقوال وأفعال النبي الحسية ، بل جنبة الوحي جنبة ملكوتيه غير مرئية لا يستطيع أن يرصدها من لا يكون وحيانيا ، وهكذا البعد الوحياني في سيرة النبي ص وأهل بيته عليهم السلام لا يرصده الصحابة ولا الرواة بل لا يضبطه إلا رجل من شجرة النبي النورية في الخلقة .

التصنيفات : بصائر عاشورية