بصائر عاشورية ٩
بصائر عاشورية (٩)
تتمة السيرة العلمية لمنهجية الفقهاء مع كتب السير والآثار
٥- وقد بيّن الإمام الصادق والأئمة عليهم السلام أن كثيرا من ابتعاد بقية المذاهب عن مذهب أهل البيت عليهم السلام بسبب عدم فهمهم للسيرة النبوية وبينوا إخفاق فهمهم في كل باب باب من أبواب الفقه التشريعي ، وقد رووا مشاهدات أعينهم وما سمعوا من كلمات ولكن لم يعوا الجانب الوحياني للمشهد الحسي والمسموع من السيرة في جنبة وحيانيتها ، وليست حسا فقط ، إذ لو كانت مقتصرة على الحس فقط لصدقت مقولة قريش و غيرها ما لهذا الرسول يأكل الطعام ويمشي في الأسواق ، لأنهم لا يحسون إلا ذلك .
٦- بل إن الجانب الحسي من سيرة النبي ص وأهل البيت ع لا يحيط به البشر بقواهم الحسية العادية إحاطة شاملة دقيقة بحس مسلح بالوحي ، إذ الحس العادي البشري يفوته كثير من جوانب الأشياء المحسوسة وتختلط عليه أبعاد كثيرة في الحس قد أشير إليها في العلوم التجريبية والإنسانية إلى مئات أنواع الاشتباهات والتخليط .
٧- ولذلك بنى مذهب الإمامية وأجمع علماء الإمامية متكلموهم ومفسروهم وأصوليوهم ومحدثوهم على أن وحيانية القرآن لا يقوم بها التواتر الحسي لنقل الصحابة وأجيال المسلمين وليس مصدرها التواتر وإلا لكان القرآن تراثا بشريا تاريخانيا وأن إجماع الأمة بأسرها فقهائها علمائها مفسريها نوابغها زهادها أتقيائها أهل يقينها عرفائها فلاسفتها روادها كلهم أجمعين إجماعهم من دون وجود المعصوم – إذا لم يكن في الأمة الأربعة عشر معصوما – ليس بحجة وحيانية ، وإن كان حجة حسية إلا أنه لا يرقى إلى الحجة الوحيانية التي هي حقيقة القرآن .
٨- وإذا كانت سيرة سيد الأنبياء وأفعاله وحيا فلابد من آليات وحيانية تفسر تلك السيرة وتضبطها ، فلا يستطيع أن يفسر الوحي إلا أنت يا نبي الله أو رجل منك) لا يضبط الوحي إلا موازين الثقلين .
٩- وههنا تتبلور قاعدة مهمة في منهجية تفسير وضبط السيرة وهي ضرورة ضم الاعتماد على الرؤية الكلامية ومدى تأثيرها ، وأنه ليس بالإمكان كتابة السيرة النبوية مع عدم الوعي الكلامي العقائدي بشؤون النبي ص ومقاماته ، وإذا لم تكن لدى الباحث معرفة بشخصية النبي في الكتاب والسنة مستقاة من النظام الوحياني للقرآن والحديث فلا يستطيع أن يفهم حقيقة حركاته وسكناته ، وكيف يكتب عن سيرته وتعاطيه مع الآخرين أو كيف تدرك بعض زوجاته حقيقة سيرته وشؤونه وهي لا تعي من النبي كيفية تعاطيه ، وقد ورد عن خلق النبي ص وشؤونه أن خلقه القرآن ، ومقتضى ذلك أن لسيرة النبي تنزيلا وتأويلا ولتأويلها طبقات لا تتناهى مما يستلزم توفر الباحث على خلفية كلامية وإلا فلن يتمكن من تفسير حقيقة السيرة النبوية وسيرة أهل البيت ع .
١٠- كما لا بد أن يكون لدى الباحث إلمام بالعلوم الدينية كالفقه والأصول وعلم الرجال وإلا فمن الصعب المستصعب عليه أن ينقح كثيرا من غوامض السيرة وشؤونها ومبهمات أمورها .
١١- ولابد في تنقيح السيرة النبوية من الرجوع إلى محكمات الكتاب والسنة ، بعد ارتباطها بكل أبواب وعلوم الدين .
١٢- إن من أعظم مصادر السيرة النبوية في خطوطها العامة و تفاصيلها هو القرآن
لأن من أساليب القرآن القصص وهي عبارة عن مشهد تصويري كالفيلم يستعرض بعدسته سيرته خلال ثلاثة وعشرين عاما وكذلك روايات أهل البيت ، فهم أدرى بما في البيت .
١٣- إن الفحص والتنقيح ليس له سقف ولا إبرام حاسم للنتائج ، لا بمعنى التشكيك في النتائج المتوسطة في أثناء البحث وعدم الاستنتاج المتوسط ، بل بمعنى عدم جعل النتائج المتوسطة المستندة لمقدار من المواد المجتمعة لأوساط البحث نتائج حاسمة مبرمة لا تغيير ولا تبدل فيها .
١٤- كما أن الاندفاع والتسرع في الاستنتاج ليس تحقيقا علميا ، بل الاتقان العلمي أن يكون الإنسان دؤوبا في تحري الأمور وشعاره أن العلم لا ينسد مهما طال الأمد ، ولا يحسم النتائج كنتائج نهائية ، بل عليه مواصلة البحث كمسير طويل ، أما المسارعة في الإنكار أو المسارعة في الجزم والإثبات فليس من التفوق العلمي الكبير ، بل اختزان المعلومات والمواد والإعداد التحليلي المتعاقب هو نهج علمي قوي متين ، لا الحسم والإبرام بسرعة لا نفيا ولا إثباتا .
