الاستفتاءات
يمكن الإشارة لأمرين في هذا المقطع الشريف عن أمير المؤمنين (عليه السلام):
الأمر الأول: يثبت أمير المؤمنين (عليه السلام) أنّ بموت ورحيل الأنبياء السابقين (عليهم السلام) لم تنقطع درجات الوحي التي كانت لهم؛ بل كانت كل تلك الدرجات من الوحي الموجود عند الأنبياء السابقين (عليهم السلام) هي موجودةٌ عند النبي الأعظم (صلى الله عليه وآله)، بالإضافة إلى وجود درجةٍ عاليةٍ من الوحي خاصة بالنبي الأعظم (صلى الله عليه وآله) زيادة على تلك الدرجات التي عند الأنبياء (عليهم السلام)، فلم يُحرم مَن أتى مِن بعد أؤلئك الأنبياء سيما المصطفين منهم من تلك الدرجات، فتلك الدرجات من الوحي أُعطيت للأنبياء نبياً بعد نبي، ولم يحرم أحدٌ منهم من تلك الدرجات من الوحي، بل بقيت تلك الدرجات ببركة وجود النبي الأعظم (صلى الله عليه وآله).
الأمر الثاني: أنّ أمير المؤمنين (عليه السلام) عندما كان النبي الأعظم (صلى الله عليه وآله) يتلقى الوحي كان عليٌّ يتلقاه بالتبع، استناداً لقول النبي الأعظم (صلى الله عليه وآله) إلى عليٍّ (عليه السلام): (إنك تسمع ما أسمع وترى ما أرى إلا أنك لست بنبي ولكنك وزير وإنك لعلى خير) [نهج البلاغة – خطب الإمام علي (ع) – ج ٢ – الصفحة ١٥٨]، ومعنى: (تسمع ما أسمع) أي ليس أنّ عليّاً يسمعُ مُستقلاً وإنّما ما يسمعه النبي الأعظم (صلى الله عليه وآله) يسبب سمعاً لأمير المؤمنين (عليه السلام)، وقوله (وترى ما أرى) أي أنّ ما يراه رسول الله (صلى الله عليه وآله) يُسبب رؤية لأمير المؤمنين (عليه السلام)، فكان النبي (صلى الله عليه وآله) كلُّ ما يوحى إليه فهو بالتبع يوحى لأمير المؤمنين (عليه السلام).
فهذه القُدرة التي نالها عليٌّ (صلوات الله عليه) هيّ ببركات رسول الله (صلى الله عليه وآله) وبالتالي بسبب رحيل رسول الله (صلى الله عليه وآله) إلى دار البرزخ، هذه الدرجة العالية الخاصة بالنبي الأعظم (صلى الله عليه وآله) انقطعت برحيله وحُرِم منها أمير المؤمنين (صلوات الله عليه) وإنْ لم يحرم من درجات أُخرى، إلا أنّ هذه الدرجة الخاصة بالنبي (صلى الله عليه وآله) التي هي رؤية وسماع (تسمع ما أسمع وترى ما أرى) وبدرجة ما يراه النبي ويسمعه النبي (صلى الله عليه وآله) فهذه خصوصية لسيد الأنبياء (صلى الله عليه وآله) عروةٌ خاصة بالنبي انقطعت برحيله من دار الدنيا إلى دار البرزخ، وإنْ لم تكن بقية العُرى الخاصة بأهل البيت (عليهم السلام) لم تنقطع.
